برامج التأهيل الروحي
يقول تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: 70].
حين يصاب جسم الإنسان ببعض الإصابات التي تعوق حركته الطبيعية، يضع له الأطباء خطة علاجية لتأهيله للعودة إلى عافيته ووضعه السوي، ويطلقون على تلك الخطط التأهيل الطبي والعلاج الطبيعي، وهو تخصص مهم من التخصصات الطبية.
قد تستغرق خطة التأهيل العلاجي مدة من الزمن، وقد تشمل تدريبات وحركات يشعر المريض بصعوبة وألم من ممارستها، خاصة في البداية، لكنها هي الطريق لتجاوز المرض واستعادة العافية.
الإعاقات والأمراض الروحية
وكما يصاب الجسم بالأمراض والإعاقات فيحتاج إلى العلاج التأهيلي، كذلك تنال الأمراض والإصابات الجانب النفسي والروحي من شخصية الإنسان، وهي لا تقلّ خطورة وضررًا من الأمراض الجسمية، بل قد تكون أشدّ ضررًا وخطرًا، لأنّ آثارها لا تقتصر على شخص المبتلى بها، بل تمتدّ إلى الآخرين. فمن تمكنت الأنانية من نفسه وانقاد لشهواته وغرائزه، لن يراعي حرمات الآخرين وحقوقهم. كما أنها تؤدي إلى الهلاك في الآخرة، بعكس الإصابات الجسمية التي يكون ضررها في الدنيا فقط، وقد يعوّض الله أصحابها بالثواب في الآخرة.
إنّ القرآن الكريم يتحدّث عن كثير من أعراض الإعاقات الروحية، ويستعير لها أوصاف الإعاقات الجسمية، لتقريب صورتها إلى ذهن الإنسان عن طريق المقارنة والتشبيه.
فقدان البصر وفقد البصيرة
إنّ من الإعاقات الروحية التي تحدث عنها القرآن الكريم كثيرًا، فقدان البصيرة وانعدام الرؤية الواضحة عند الإنسان، لمعنى وجوده ودوره في الحياة، وكيفية التعامل مع القضايا والأمور، حين لا يستخدم عقله لمعرفة طريق الخير ولتمييز الأمور الصالحة، وتلك إعاقة روحية يستعير لها القرآن الكريم، صفة فقد البصر (العمى)، حيث وردت حوالي ثلاثين آية في القرآن الكريم بهذا المضمون.
منها قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج، الآية: 46].
فالعمى الحقيقي والأخطر على الإنسان، هو عدم استخدام العقل للنظر في الأمور، وأن يرى الإنسان الأمور من خلال أهوائه وشهواته، فيتخبط في أفكاره ومواقفه، ويضلّ طريق الحقّ والخير، ويسلك طريق الباطل والشر.
أما من يفقد البصر، فقد يستعين بما يساعده على استكشاف طريق سيره، ويتحسّس الأشياء بيده، ويحسن الاستفادة من سائر قواه الذهنية، وقد يتفوق على المبصرين.
لذلك ورد عن رسول الله
: «شَرَّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ»[1] .
ويقول تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ [سورة فصلت، الآية: 17].
إنهم اختاروا لأنفسهم السير في طريق الجهل والضلال، وتنازلوا عن استخدام عقولهم التي تقودهم إلى الهدى، ففقدوا بصيرتهم وأصيبوا بالعمى.
ويقول تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: 72].
من اختار لنفسه فقدان البصيرة في الدنيا، فسيعيش فيها يتخبّط بسبب إعاقته الروحية المعنوية، ويكون في الآخرة أعمى لا يعرف إلى الجنة طريقًا.
الصمم الأخطر على الإنسان
ومن الإعاقات الروحية التي تحدّث عنها القرآن الكريم، عدم اهتمام الإنسان بالاستماع إلى صوت الحق والهدى، والإعراض عن الإصغاء إلى كلمة الخير والمعروف، والتفاعل معها نفسيًا وفكريًا.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة لقمان، الآية: 7].
إنّ من يعرض عن الحقّ والهدى بسبب استكباره، يكون حاله كالمصاب بالصمم ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾، فهو يعاني من إعاقة روحية تؤدي به إلى الشقاء في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [سورة البقرة، الآية: 206].
إنّ سيطرة الخلق السيئ على الإنسان تمنعه عن الاستجابة لنداء الفطرة والعقل، وذلك ما يرديه في نار جهنم.
ويستعير القرآن لهذه الإعاقة الروحية، صفة الصمم وفقد حاسة السمع. يقول تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: 171] بل هذا هو الصمم الأخطر على الإنسان، أما فقدان السمع كإعاقة جسمية، يمكن للإنسان تجاوزها بوسائل بديلة، كلغة الإشارة.
ويقول تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 179].
لديهم حاسة سمع لا يستفيدون منها في مورد الحاجة الأهم، وكذلك لا يستفيدون من عقولهم، فكأنها عديمة القيمة في حياتهم التي تكون حينئذٍ كالحياة التي تعيشها البهائم، وإذا اختارها الإنسان لنفسه، فهم أسوأ حالًا من البهائم.
المال الحرام نار في كيان الإنسان
ومن أعراض الإصابات والإعاقات الروحية، استمراء الإنسان لأكل المال الحرام، كأموال الأيتام، حيث يصفها القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [سورة النساء، الآية: 10].
إنّ العدوان على أموال الآخرين وحقوقهم، وخاصة الضعفاء كالأيتام، يمثل نارًا في كيان الإنسان، تحرق إنسانيته وتُدمّر وجوده المعنوي والأخلاقي. ويحصل مثل ذلك لمن يتاجرون بالمبادئ والقيم الدينية، لكسب المصالح المادية.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [سورة البقرة، الآية: 174].
ليلة القدر والتأهيل الروحي
وكما أنّ التعافي من الإعاقات والإصابات الجسمية عبر التأهيل الطبي، يحتاج إلى سعي من قبل الإنسان، والتزام بالخطة الموضوعة من المختصين، والصبر على متاعب العلاج، فكذلك الأمر بالنسبة للإعاقة الروحية، حيث يحتاج الإنسان إلى تشخيص نقاط ضعفه المعنوي والأخلاقي والسعي لمعالجتها، عبر برامج التأهيل الروحي التي تتكثف في الأزمنة المباركة، وفي طليعتها ليلة القدر التي اختارها الله لنزول القرآن، وسماها تعالى بهذا الاسم (القدر)، وهو بمعنى الشرف والرفعة، وفي آية أخرى يصفها تعالى بقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [سورة الدخان، الآية: 2] فهي ليلة باركها الله ومنحها الشرف والرفعة على جميع الأزمنة.
وقد يكون المقصود أنها ليلة تقدير أمور الكون في العام، حيث يقول تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان، الآية: 3] أي تُقرّر وتُفصّل فيها الأقدار والأمور المحكمة. ولا يتمكّن الإنسان من إدراك فضلها وعظمتها إدراكًا تامًّا. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [سورة القدر، الآية: 2].
ولخصوصيتها المميزة فإنها خير من ألف شهر، تكون رحمة الله فيها أعظم وأوسع، والعبادة فيها والعمل الصالح، أفضل وأكثر أجرًا وثوابًا عند الله تعالى.
فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق
لما سُئل: كَيْفَ تَكُونُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ؟ قَالَ
: «الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ» [2] .
وقد ورد عنه
: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيَوْمُهَا مِثْلُ لَيْلَتِهَا»[3] .
وتُرجّح الروايات الواردة عن أهل البيت
أنها ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، وفي مصادر أهل السنة روايات تفيد ذلك أيضًا. لكنّ جمهور أهل السنة يرجّحون روايات تفيد أنها ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان.
إنّ حشود المؤمنين في أداء أعمال ليلة القدر في المساجد ودور العبادة، يدلّ على عمق جذور الحالة الدينية في نفوس أبناء مجتمعاتنا التي تحتاج إلى مزيد من التعميق والتعزيز والاستثمار.
نجاح البرنامج التأهيلي
إنّ تكثيف العبادة في ليلة القدر برنامج تأهيلي لمعالجة نقاط الضعف الروحي، إذا قصد الإنسان ذلك واهتم به، ولم يتعامل مع برامجها كطقوس شكلية يؤديها، دون أن يتفاعل معها نفسيًا وروحيًا.
إنّ برامج العبادة ليلة القدر تعني الانفتاح على الله وتوثيق الصلة به، وطلب الخير منه، فبيده ذلك دون غيره.
وتعني القراءة الواعية لآيات القرآن الكريم، والتدبر فيها والاستضاءة بها.
كما تعني مراجعة النفس واستحضار نقاط الضعف والخطأ والعزم على تجاوزها، وهو معنى الاستغفار الذي يستحب تكراره في ليلة القدر.
ورد عن رسول الله
: «خَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ اللهِ الْإِقْلَاعُ وَالنَّدَمُ»[4] .
وورد عن الإمام علي بن موسى الرضا
: «الْمُسْتَغْفِرُ مِنْ ذَنْبٍ وَيَفْعَلُهُ، كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ»[5] .
قرارات تصحيح المسار
إنّ ليلة القدر هي ليلة التقدير والقرارات الإلهية، فليتخذ الإنسان فيها قرارات تصحيح مساره، وليخطط فيها لأعمال الخير والصلاح، حتى يبارك الله قراراته ويوفّقه لإنجاز تطلّعاته.
إنّ الاستغفار والتوبة يعني عزم الإنسان على الانتقال من ضفّة إلى أخرى، من مسار الخطأ إلى جادة الخير والصلاح، وحينئذٍ تتغيّر نفسيته ويتغيّر سلوكه، ويحصل لديه تحوّل داخلي ينعكس على سلوكه، فتتبدل الأعمال السيئة التي كان يقوم بها إلى أعمال حسنة، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة، يقول تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: 70].
وتشير بعض الروايات إلى أنّ الله تعالى، تقديرًا لتوبة عبده، يمحو السيئات من سجل أعماله، ويكتب له الثواب، فتمحو حسنات التوبة سيئات الذنوب.
- مصادر الخطبة:
- ابن أبي شيبة، عبدالله بن محمد، المصنف في الأحاديث والآثار، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1409هـ.
- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن (شيخ الطائفة)، تهذيب الأحكام، دار وارث للطباعة والنشر، كربلاء، ط1، 1441هـ.
- الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
- المالكي، ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، مكتبة الفقيه، قم، ط1، 1410هـ.






