تربية الأولاد بين القسوة والدلال المفرط
يقول تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 37].
الدعاء في الاصطلاح الديني هو: الطلب من الله تعالى لتلبية حاجة أو تحقيق رغبة يتطلع إليها الإنسان، ومن أهم الرغبات والتطلعات في نفس الإنسان، ذكرًا كان أو أنثى، أن يكون له أولاد صالحون يشكِّلون امتدادًا لوجوده، ويثرون عواطفه ومشاعره، ويعينونه في مواجهة تحدّيات الحياة.
والآية الكريمة تتحدث عن دعاء نبي الله زكريا
، يطلب من الله تعالى أن يهبه ذرية طيبة.
يقول تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 37].
والذرية الطيبة هم الأولاد الصالحون، الناجحون في حياتهم، المستقيمون في سلوكهم، البارون بوالديهم، الذين يكونون ذكرًا جميلًا لهم بين الناس.
وفي آية أخرى، تكرر ذكر طلب النبي زكريا، يقول تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [سورة مريم، الآيتان: 5-6].
فالأمنية العظيمة هي الذرية الطيبة والأولاد المرضيون في صفاتهم وسلوكهم.
الأولاد الصالحون يمنحون السعادة للوالدين، ويكونون قرة أعين لهما، لذلك يلحّ المؤمنون في طلبهم من الله تعالى لتحقيق هذه الرغبة والتطلع.
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [سورة الفرقان، الآية: 74].
وورد عن رسول الله
: «مِنْ سَعَادَةِ الرَّجُلِ الْوَلَدُ الصَّالِحُ»[1] . والرجل هنا بمعنى الإنسان، والولد يطلق على الابن والبنت.
وعنه
: «إِنَّ الْوَلَدَ الصَّالِحَ رَيْحَانَةٌ مِنْ رَيَاحِينِ الْجَنَّةِ»[2] .
وجاء عن أمير المؤمنين علي
: «مَا سَأَلْتُ رَبِّي وَلَدًا نَضِيرَ اَلْوَجْهِ، وَلاَ وَلَدًا حَسَنَ اَلْقَامَةِ، وَلَكِنْ سَأَلْتُ رَبِّي وُلْدًا مُطِيعِينَ لِلَّهِ، خَائِفِينَ وَجِلِينَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ قَرَّتْ بِهِ عَيْنِي»[3] .
وواضح أنّ الأولاد إذا لم يكونوا بارين صالحين، قد يملؤون حياة الوالدين بالعناء والنكد.
وإذا كان صلاح الأولاد هو أمنية كلّ أبٍ وأم، فإنّ السؤال الأساس هو معرفة الطريق إلى تحقيق تلك الأمنية والتطلع، فهل الأمر موكل إلى الغيب، ويكتفي الوالدان بالدعاء والطلب من الله؟
إنّ النصوص الدينية التي تتحدث عن واجب تربية الأبناء وسبل تنشئتهم الصالحة تدلّ على أنّ الدعاء يجب أن تصحبه جهود واعية في التربية والتوجيه للأبناء، حتى تتهيأ نفوسهم للصلاح ويتأهلون للاستقامة والنجاح.
وإذا كان من المفترض أن يسعى كلّ أبٍ وأم للقيام بواجب التربية الصالحة للأولاد، فإنّ من المهم اختيار النهج والأسلوب الأفضل لتحقيق التربية الصالحة.
ويمكننا الحديث من خلال الاستقراء عن ثلاث منهجيات تربوية متداولة.
القسوة وآثارها النفسية والسلوكية
ولا نتحدث هنا عن القسوة تجاه الأولاد التي تكون بسبب خلل نفسي أو سلوكي، وإنما نقصد القسوة والشدة التي قد ينتهجها الأب والأم كأسلوب للتربية وتعديل السلوك عند الأولاد. وهو الأسلوب الذي كان سائدًا في الماضي ضمن العائلة أو في المؤسسات التعليمية، باستخدام الضرب والعنف، أو الحبس في مكان من المنزل، أو العنف اللفظي بالتعيير والإهانة والاحتقار والتقريع والسخرية والصراخ المستمر، أو فرض السلطة دون حوار أو تفاهم، أو الحرمان والإهمال والتضييق بمنع الطعام أو اللعب أو الصرف أو قضاء الاحتياجات.
وقد يجادل البعض لإثبات جدوى أسلوب الشدة والقسوة في التربية بأنّ مخرجاته في الماضي كانت جيّدة، حيث كان الأولاد أكثر استقامة وإطاعة للوالدين وأفضل اجتهادًا في الدراسة والتعليم.
لكنّ النصوص الدينية لا تشجّع على هذا الأسلوب.
عن جابر بن عبدالله عن رسول الله
: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ»[4] .
لأنّ الدعاء على الولد مظهر من مظاهر الشدة والقسوة.
وقال بعضهم: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ [الإمام مُوسَى الكاظم
] اِبْنًا لِي، فَقَالَ
: «لاَ تَضْرِبْهُ وَاُهْجُرْهُ وَلاَ تُطِلْ»[5] .
ومعطيات العلوم الإنسانية الحديثة والخبرات والتجارب التربوية تخالف هذا النهج. ولم يعد مقبولًا ممارسته في الواقع الاجتماعي، حيث اعتمدت مختلف الدول قوانين لتجريم العنف الأسري؛ لأنّ له انعكاسات نفسية وسلوكية سلبية.
فالولد الذي يتعرض للعنف قد يصاب بالعقد النفسية ويكون مهزوز الشخصية، وقد يدفعه العنف إلى العناد ويتعود استخدامه ضدّ الآخرين.
وفي المملكة العربية السعودية صدر مرسوم ملكي لنظام حماية الطفل، يعتبر كلّ من لم يتجاوز 18 عامًا طفلًا يحقّ له الحماية من أيّ إيذاء جسدي أو نفسي أو إهمال، ويفرض عقوبات صارمة على العنف والإيذاء الموجه للأولاد.
الدلال المفرط يصنع شخصية اتكالية
ويعني تلبية كلّ رغبات الولد دون قيد، وإعفاءه من كلّ مسؤولية بتوفير الخدمات له والقيام بها نيابة عنه، وحمايته من عواقب أخطائه وإطلاق العنان له في تصرفاته.
قد نجد بعض الآباء الميسورين يغدق على ولده المال، ويشتري له السيارة أو الدراجة النارية (الدَّبّاب) التي يرغبها مهما غلا ثمنها، ويعطيه لاستبدال هاتفه النقال كلما أراد، ويسمح له بطلب الوجبات من خارج البيت حسب ذوقه مع توفر الوجبات في المنزل.
ونجد من يقف مع ولده في كلّ خلاف مع آخرين وإن كان مخطئًا، ويحرك الوساطات ويبذل الرشوات، لتجنيبه عواقب أخطائه، ولا يراقب تصرفاته ليحاسبه على الأخطاء والانحرافات.
إنّ هذا الدلال المفرط يسبّب غياب الرادع الذاتي عند الولد، فينشأ وهو يعتقد أنّ كلّ شيءٍ متاح ومباح، مما يصعب عليه تقبّل القوانين والحدود الاجتماعية والدينية.
كما أنه يضعف الشعور بالمسؤولية في نفسه، فيصبح اتكاليًا على أسرته، حتى في ترتيب فراش نومه. وفي معالجة أيّ مشكلة تعترضه.
ويعرضه للإصابة بالهشاشة النفسية عندما يواجه واقع الحياة وتحدّياتها. وقد تتكرس عنده الأنانية والعدوانية، حين يتطور الدلال المفرط إلى شعور بالاستحقاق الزائد، عندما يرفض له أيّ طلب، فيلجأ إلى طرق غير مشروعة للحصول على ما يريد.
جاء عن الإمام محمد الباقر
: «شَرُّ الْآباءِ مَنْ دَعاهُ الْبِرُّ إلَى الْإِفْراطِ»[6] .
الحب والحزم الذكي
إنّ إغداق الحب والحنان على الولد وتلبية حاجاته ورغباته هو مقتضى الطبيعة الإنسانية السّوية، حيث أودع الله تعالى هذه العاطفة الرقيقة في نفس الوالدين، وهو حقٌّ طبيعي للولد، يغذّي مشاعره وأحاسيسه، كما يغذّي الطعام والشراب جسمه، وهو ضرورة تربوية لأنّ الجفاف العاطفي والتقصير في إبداء المحبة للولد، يضعف الثقة وتقدير الذات عنده، ويسلبه الشعور بالأمن والاطمئنان النفسي، وقد يدفعه للبحث عن المحبة والحنان عند من لا يوثق به.
ورد عن الإمام جعفر الصادق
: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْحَمُ الْعَبْدَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِوَلَدِهِ»[7] .
لكنّ هذه المحبة والرعاية، يجب أن تكون في إطار التربية الصالحة ليكون الولد مؤهلًا للنجاح في حياته، والاستقامة في سلوكه.
وذلك يقتضي أن يواكب إغداق المحبة والرعاية والتوجيه والإرشاد، بتعريف الولد معادلة الصّح والخطأ، وتبيين الحدود التي يجب عليه مراعاتها شرعًا وقانونًا وعرفًا في حياته وسلوكه، حسب مقتضى كلّ مرحلة من مراحل عمره، وأن يحاسب على تصرفاته، ويتحمّل مسؤولية أعماله.
التوعية والتفاهم مع الأولاد
يقول تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [سورة طه، الآية: 132].
وذلك يعني أنّ مجرد إصدار الأوامر وبشكل عابر ليس كافيًا، بل لا بُدّ من خطة وبرنامج تربوي يمارس بتؤدة وصبر.
يقول تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [سورة التحريم، الآية: 6].
ورد عن زيد بن أسلم: تلا رسول الله
هذه الآية، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَقِي أَهْلَنَا نَارًا؟ قَالَ
: «تَأْمُرُونَهُمْ بِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَتَنْهَوْنَهُمْ عَمَّا يَكْرَهُ اللَّهُ»[8] .
وورد عن الإمام جعفر الصادق
: «بَادِرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَكُمْ إِلَيْهِمُ الْمُرْجِئَةُ»[9] .
فإذا كانت هناك اتجاهات سلبية في ساحة الحياة الاجتماعية، فينبغي تحصين الأولاد منها مسبقًا بالوعي والإرشاد، وليس انتظار التأثر بها ثم التورط بالمعالجة، فالوقاية خير من العلاج.
حدود الاستجابة للرغبات
لا بُدّ أن يكون هناك توازن واعتدال في الاستجابة لرغبات الأولاد، فلا تكون الاستجابة مطلقة وبلا حدود.
يجب أن يصرف الوالدان وقتًا وجهدًا، لإفهام الولد أنه ليس كلّ رغبة مشروعة أو متاحة أو مناسبة، وأن يتم إفهامه والاتفاق معه على قواعد لتنظيم الحياة والسلوك، وأن يُشجّع على الالتزام، ويُحاسب على المخالفة بالطريقة المناسبة.
وحين يخطئ الولد يجب إدانة الخطأ دون احتقار أو إبداء الكراهية لشخصه، فيقال له: نحبّك كثيرًا لكن لا نقبل هذا التصرف، وذلك هو معنى الحزم الذكي.
وحين يوجه الدين لتعليم الأولاد أداء الواجبات والتّحذير من المحرمات، إنما يقصد اتباع منهجية توضيح القواعد السليمة للحياة والسلوك لأفراد الأسرة.
وجدت في الدنمارك أنّ الأطفال مدربون على عدم شراء الحلويات والشكولاتة وأكلها إلّا في عطلة الأسبوع، وأخبرت أنّ ذلك عرف في المجتمع الدنماركي، حفاظًا على صحة الأطفال، خاصة صحة أسنانهم، ولتدريبهم على الانضباط.
حماية الأبناء من مخاطر التقنية
ولعلّ من أهم الرغبات عند الأولاد في هذا العصر التي تحتاج إلى ضبط وقيود، هي استخدام منصات التواصل الاجتماعي التي تتسلل من خلالها كثير من الأضرار والأخطار النفسية والسلوكية، وقد فرضت عدة دول قيود على استخدام الأطفال هذه المنصات، كمنع إنشاء الحسابات قبل سن محدّد (16سنة) واشتراط إشراف الوالدين. كما في أستراليا وإندونيسيا وماليزيا والبرازيل والإمارات العربية المتحدة، وطالب مجلس الشورى السعودي باعتماد ضوابط في هذا المجال.
هناك برامج وأدوات حماية للأطفال تساعد الوالدين على تحديد وقت الاستخدام، وتقييد التطبيقات والمحتوى والمشتريات والتنزيلات، وضبط إعدادات الخصوصيات ومتابعة نشاط الاستخدام من لوحة تحكم للوالدين تتيح حجب المحتويات الضارة، مثل برنامج (جوجل فاميلي لينك)، و (مايكروسوفت فاميلي سيفتي)، و(كيو ستوديو)، وغيرها.
والحزم الذكي يعني عدم التراجع عن القرار التربوي أمام بكاء الطفل وغضبه وإصراره، بل احتضانه عاطفيًا مع إفهامه بضرورة الالتزام.
وذلك هو ما يعزّز الشعور عند الولد بأنه محبوب ومقبول عند والديه، لكنّ بعض التصرفات منه غير محبوبة.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
مصادر الخطبة:
- البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، دار الفكر، بيروت، ط1، 1417هـ.
- السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 2001م.
- الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
- المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.
- النيسابوري، الإمام مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار المغني، الرياض، ط1، 1419هـ.






