صناعة القرار الحكيم

 

جاء عن الإمام جعفر الصادق : «أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : فَهَلْ أَنْتَ مُسْتَوْصٍ‌ إِنْ أَنَا أَوْصَيْتُكَ؟ حَتَّى قَالَ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَفِي كُلِّهَا يَقُولُ لَهُ الرَّجُلُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : فَإِنِّي أُوصِيكَ إِذَا أَنْتَ هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ، فَإِنْ يَكُ رُشْدًا فَامْضِهِ، وَإِنْ يَكُ غَيًّا فَانْتَهِ عَنْهُ»[1] .

اتخاذ القرارات هي المهمة الأخطر في حياة الإنسان، ذلك أنّ القرارات هي باعث حركة الإنسان، وهي التي تشكل مسارات حياته، خاصة تلك القرارات المصيرية ذات التأثير الكبير على حياته، وحياة الآخرين من حوله، في الاتجاه الإيجابي أو السلبي.

قد يجد الإنسان نفسه عند اتخاذ القرار أمام أكثر من خيار، يؤدي كلٌّ منها إلى نتائج مختلفة، أو تتجاذبه انشدادات متباينة تجاه تلك الخيارات، أو تحيط به أجواء وضغوط مختلفة يدفعه كلٌّ منها إلى اتجاه مختلف، هنا يعيش معاناة التردد والحيرة، فقد يتخذ قرارًا خطأً يكلفه ثمنًا باهظًا، وقد يُوفّق إلى اتخاذ قرار صائب يقوده إلى الفلاح والنجاح.

ولو قرأنا سير أكثر الأشخاص نجاحًا في الحياة، لرأينا أنّ سرَّ نجاحهم هو اتخاذهم للقرارات الحكيمة الناضجة.

الحزم حكمة في اتخاذ القرار

 لذلك يحتاج الإنسان إلى الحكمة في اتخاذ القرار، أي اعتماد منهجية سليمة تساعده في تجاوز حالة التردد والحيرة، وتقوده إلى اتخاذ القرار الصائب المناسب.

وتُعبّر كثير من النصوص الدينية عن ممارسة الحكمة في اتخاذ القرار بمصطلح الحزم.

والحزم لغةً، كما جاء في لسان العرب: ضَبْطُ الإِنسان أَمره والأَخذ فِيهِ بالثِّقة. وَرَجُلٌ حازمٌ: هُوَ الْعَاقِلُ الْمُمَيِّزُ ذُو الحُنْكةِ. وهو مأخوذ مِنَ الحَزْمِ، وحَزَمَ الشَّيْءَ شَدُّهُ. مِنَ الشَّدِّ بالحِزامِ وَالْحَبْلِ اسْتِيثَاقًا مِنَ المَحْزوم، كحزْمِ الْحَطَبَ، وتَحَزَّمَ الرَّجُلُ إِذا شَدَّ وَسَطَهُ بِحَبْلٍ، وحَزَمَ الفرسَ: شَدَّ حزامَهُ[2] .

وهكذا ينطلق المعنى الاصطلاحي للحزم من المعنى اللغوي، فكما أنّ الحزام الذي يشدّ وسط الإنسان يجعل جسمه أكثر صلابة وثباتًا، وكما أنّ حزم الحطب يجمعه ويشدّه فلا يسقط منه شيء، كذلك فإنّ تركيز فكر الإنسان في أمر من الأمور والنظر إليه من مختلف الزوايا والأبعاد، يمكّنه من صنع رأي قوي حوله واتخاذ القرار المناسب فيه.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «اَلْحَزْمُ كِيَاسَةٌ»[3] . أي: فطنة وتعقّل.

وعنه : «مَنْ أَخَذَ بِالْحَزْمِ اِسْتَظْهَرَ[4] ، وَمَنْ أَضَاعَ اَلْحَزْمَ تَهَوَّرَ»[5] .

فمن يعتمد الحكمة في اتخاذ قراراته يستقوي في مسيرة حياته ويكون له ظهر وقوة، بينما يتهور ويضطرب من يفتقد الحكمة.

وعنه : «اَلْحَازِمُ مَنْ حَنَّكَتْهُ اَلتَّجَارِبُ، وَهَذَّبَتْهُ اَلنَّوَائِبُ»[6] .

إنّ التجارب التي يمرّ بها الإنسان، والتحديات التي يواجهها، تصنع لديه مهارة الحزم في اتخاذ قراراته.

إنّ من أهم مقومات صناعة القرار الحكيم الأمور التالية:

أولًا: التفكير الموضوعي

إنّ اتخاذ القرار في القضايا الأكثر أهمية يحتاج إلى تفكير سليم، فلا يصح الاستعجال ولا الانفعال، ولا الانقياد للعواطف، ولا الخضوع للأجواء المحيطة.

بل يجب التفكير بتأنٍّ واستعراض الخيارات والمفاضلة بينها.

حين يواجه الإنسان مشكلة أو تحديًا أو فرصة متاحة، فإنّ عليه أن يحدد تلك المشكلة، ويضع قائمة لجميع الحلول والخيارات الممكنة، ويقيّم تكاليف وإيجابيات وسلبيات كلّ خيار من الخيارات المطروحة، ثم يختار الأفضل والأنسب وفق إمكاناته وظروفه.

حينما جاء رجل يطلب الوصية من رسول الله أخذ منه أولًا الالتزام بما يوصيه ثلاث مرات، ثم أوصاه بالتفكير في نتائج أيّ قرار يريد اتخاذه، ليختار القرار المؤدي إلى الرشد، ويتجنب القرار الخطأ.

جاء عن الإمام جعفر الصادق : «أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : فَهَلْ أَنْتَ مُسْتَوْصٍ‌[7]  إِنْ أَنَا أَوْصَيْتُكَ؟ حَتَّى قَالَ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَفِي كُلِّهَا يَقُولُ لَهُ الرَّجُلُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : فَإِنِّي أُوصِيكَ إِذَا أَنْتَ هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ، فَإِنْ يَكُ رُشْدًا فَامْضِهِ، وَإِنْ يَكُ غَيًّا فَانْتَهِ عَنْهُ»[8] .

ورد عن أمير المؤمنين علي : «الْفِكْرُ يُفِيدُ الْحِكْمَةَ»[9] .

وعنه : «أَصْلُ اَلسَّلاَمَةِ مِنَ الزَّلَلِ الْفِكْرُ قَبْلَ الْفِعْلِ»[10] .

وعنه : «إِذَا قَدَّمْتَ الْفِكْرَ فِي أَفْعَالِكَ حَسُنَتْ عَوَاقِبُكَ وَفِعَالُكَ»[11] .

وعنه : «لاَ تَعْزِمْ عَلَى مَا لَا تَسْتَبِينُ الرُّشْدَ فِيهِ»[12] .

إنّ أسوأ القرارات هي التي يتخذها الإنسان في حالة انفعال، لأنه حينئذٍ يكون بعيدًا عن التفكير السليم.

ورد عن أمير المؤمنين علي : «الْغَضَبُ يُفْسِدُ الْأَلْبَابَ وَيُبَعِّدُ مِنَ الصَّوَابِ»[13] .

وجاء عن الإمام جعفر الصادق : «الْغَضَبُ مَمْحَقَةٌ[14]  لِقَلْبِ الْحَكِيمِ‌. وقال : مَنْ لَمْ يَمْلِكْ غَضَبَهُ لَمْ يَمْلِكْ عَقْلَهُ»[15] .

وكذلك حينما تسيطر الرغبة والعاطفة على الإنسان في اتجاه معين، فإنّ قراره يكون منحازًا غير مضمون السلامة.

جاء عن رسول الله : «حُبُّكَ لِلشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ»[16] .

وورد عن أمير المؤمنين علي : «مَنْ عَشَقَ شَيْئًا أَعْشَى بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، ويَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَه»[17] .

وعنه : «اِسْتَرْشِدِ اَلْعَقْلَ، وَخَالِفِ اَلْهَوَى تَنْجَحْ»[18] .

وقد تؤثر الأجواء التي يعيشها الإنسان فتمنعه من التفكير الموضوعي، ومن أبرز الشواهد تأثير وسائل الإعلام والإعلان، والثلة (الشلة) من الأصدقاء المحيطين بالإنسان.

ثانيًا: المعيار القيمي

على الإنسان حين اتخاذ القرار أن يستحضر القيم التي يؤمن بها، ويتخذ القرار المتوافق معها.

جاء عن رسول الله : «خَشْيَةُ اللَّهِ مِفْتَاحُ كُلِّ حِكْمَةٍ»[19] .

وعنه : «ثَلَاثُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَكْمَلَ خِصَالَ الْإِيمَانِ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمٍ وَلَا بَاطِلٍ وَإِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ الْغَضَبُ مِنَ الْحَقِّ»[20] .

الصادق : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي إِثْمٍ وَلَا بَاطِلٍ وَإِذَا سَخِطَ لَمْ يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ»[21] .

إنّ على الإنسان أن يتقي الله ويخشاه أكثر في القرارات التي ترتبط بآخرين، وتؤثر في حياتهم سلبًا، كعائلته وأقربائه أو أصدقائه، أو من يعملون تحت قيادته، وكذلك حين يكون في موقع مسؤولية عامة، عليه أن يفكّر بحرص أكبر، وأن يحذر إيذاء الآخرين والإضرار بمصالحهم من خلال قرارات يتخذها.

ثالثًا: الاستشارة

ورد عن رسول الله : «كَلِمَةُ الْحِكْمَةِ يَسْمَعُهَا الْمُؤْمِنُ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ»[22] .

وورد عن أمير المؤمنين علي : «الْحَزْمُ اَلنَّظَرُ فِي الْعَوَاقِبِ وَمُشَاوَرَةُ ذَوِي الْعُقُولِ»[23] .

وعنه : «الْحَازِمُ لاَ يَسْتَبِدُّ بِرَأْيِهِ»[24] .

وورد عن الإمام زين العابدين : «هَلَكَ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَكِيمٌ يُرْشِدُهُ»[25] .

إنّ على الإنسان أن يُدرّب نفسه على اتخاذ القرار الحكيم، ويُنمّي قدراته ومهاراته، ولا يعتمد على غيره في اتخاذ قراره، يستفيد من مشاورة الآخرين ومن خبرات المختصين، لكنه هو الذي يتخذ القرار.

ومن التحديات التي تواجه أبناء هذا الجيل تعويل بعض الناس على الذكاء الاصطناعي لاتخاذ القرار نيابة عنهم. وهو خطأ، من أدنى سلبياته ضمور قدرة الإنسان ومهاراته في اتخاذ القرار.

يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي فيما يُقدّم من معطيات ومقترحات بعد التفكير فيها ودراستها.

رابعًا: الثقة والتوكل

هناك من تستبين له الأمور ويتضح له القرار المناسب، لكنه يتردد لضعف ثقته بنفسه، أو خشية من الفشل، وذلك خلاف الحكمة.

يقول تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ[سورة آل عمران، الآية: 159].

وورد عن أمير المؤمنين علي : «مِنَ اَْحَزْمِ قُوَّةُ اَلْعَزْمِ»[26] .

إنّ التحرك بجد لتنفيذ القرار هو جزء أساس من صفة الحزم.

قد يضعف العزم عند الإنسان في الأخذ بالقرار، بسبب تجربة فاشلة مرّ بها من قبل، وهذا ما يُكرس ضعف الثقة بالنفس، والخضوع لفوبيا الفشل.

إنّ الفشل في تجربة سابقة ينبغي أن يدفع الإنسان إلى مراجعة أسبابها واستخلاص دروسها، ثم توظيف تلك الخبرة في بناء تجارب أكثر نجاحًا.

وأخيرًا فإنّ صناعة القرار الحكيم مهارة يمكن للإنسان أن يتدرب عليها وينميها، من خلال إعمال العقل، وضبط الانفعال، واستحضار القيم، والاستفادة من أهل الخبرة، ثم امتلاك الثقة والعزم والتوكل على الله، بما يجعل قراراته أكثر نضجًا وأقرب إلى الصواب.

مصادر الخطبة:
  1. ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1412هـ.
  2. الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
  3. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.
  4. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، الخصال، مركز أهل الذكر، قم، ط1، 2018م.
  5. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.
  6. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الأمالي، دار الثقافة، قم، ط1، 1414هـ.
  7. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
  8. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.

 

خطبة الجمعة 29 ربيع الأول 1448هـ الموافق 11 سبتمبر 2026م.

[1]  الكافي، ج8، ص149-150، ح130.
[2]  لسان العرب، مادة: حزم.
[3]  الخصال، ج2، ص505، ح3.
[4]  غرر الحكم ودرر الكلم، 326، ح89.
[5]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص330، ح216.
[6]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص26، ح545.
[7]  أي متقبل وصيتي وعامل بها.
[8]  الكافي، ج8، ص149-150، ح130.
[9]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص53، ح1629.
[10]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص109، ح205.
[11]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص161، ح158.
[12]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص419، ح169.
[13]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص51، ح1544.
[14]  ممحقة بكسر الميم اسم آلة للمحق، وهو الإبطال وذلك لأن ثوران نار الغضب وانبعاث دخانه في ساحة القلب، وغليان الرطوبات القلبية يوجب محق نور القلب ويصيره مظلمًا بحيث لا يدرك شيئًا من الحق، وعند ذلك يستولي عليه الشيطان ويحمله على أن يفعل ما يفعل، وإنما خص قلب الحكيم بالذكر؛ لأنّ المحق الذي هو إزالة النور إنما يتعلق بقلب له نور، وقلب غير الحكيم مظلم ليس له نور. (شرح المازندراني، ج9، ص315).
[15]  الكافي، ج2، ص305، ح13.
[16]  من لا يحضره الفقيه، ج4، ص380، ح5814.
[17]  نهج البلاغة، من خطبة له في بيان قدرة اللَّه وانفراده بالعظمة وأمر البعث، رقم: 109.
[18]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص79، ح102.
[19]  أمالي الطوسي، ص570، ح4.
[20]  الخصال، ص105، ح66
[21]  الخصال، ص105، ح65.
[22]  بحار الأنوار، ج74، ص172.
[23]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص28، ح600.
[24]  بحار الأنوار، ج75، ص11.
[25]  بحار الأنوار، ج75، ص159.
[26]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص372، ح75.