الاجتماع الديني وإدارة الاختلاف

مجلة الكلمة إعداد: الدكتور محمد دكير

 

«إنّ ضَعف حُضور القيم والمبادئ في النُّفوس، وغياب الوازع الأخلاقي،

هو الذي يُحوِّل الاختلاف في الرأي، أو التعارض في المصلحة،

إلى حالة من النِّزاع والخُصومة والانقسام..» [المؤلف].

 

الكتاب: إدارة الاختلاف في الاجتماع الديني.. دعوة للمحبة والحوار والتآلف
المؤلف: حسن بن موسى الصفار
الناشر: الانتشار العربي- بيروت
الصفحات: 222 صفحة من الحجم الكبير
سنة النشر: ط1- 2025م

مقدمة: التعدُّد والتنوّع سُنّة إلهية في الوجود

التعدّد والتنوع والاختلاف، في الوجود الطبيعي والإنساني، من أبرز السُّنن التي أودعها الله تعالى في نظام الكون، وفي عالم الإنسان يتجلّى هذا التنوع والتعدد والاختلاف في: الألوان والألسن والطبائع والقُدرات والمواهب، وفي مستوى الإدراك وحجم المعرفة، بالإضافة إلى الاختلاف في الأديان والمذاهب والتقاليد والأعراف وسُبل العيش وأنماط الحياة الحضارية بشكل عام.

وعليه، فالتنوع  والاختلاف ليس ظاهرة طارئة في تاريخ البشرية، بل سُنة إلهية صاحبت الإنسانية منذ بدايات الخلق، وهذا ما يُشير إليه القرآن الكريم: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ[1] ، ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ..[2] ، وهذه النصوص وغيرها، تكشف أنّ الاختلاف رافق المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ، وأنّ الرسالات السماوية جاءت لهداية الإنسان، وتنظيم هذا الاختلاف وردّه إلى الحق، لا لإلغاء سُنّة التنوع التي فطر الله الناس عليها.

كما أشار القرآن إلى ظاهرة الاختلاف التي واكبت ظهور الأديان على وجه الخصوص، وأنّ المجتمعات المُتديِّنة لم تكن بمنأى عن هذا التعدد والاختلاف، فقد شهدت الأمم التي آمنت بالأنبياء والرّسل صورًا متعددة من الاختلاف في فهم الوحي، واستنباط الأحكام والقيم منه، سواء في حياة أنبيائهم، أو بعد انقطاع الوحي وانتقالهم إلى جوار ربهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض أسباب هذا الاختلاف: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..[3] . وفي المُقابل، فإنّ اختلاف المدارك وتفاوت العقول وتعدّد زوايا النظر، يُمثل جانبًا من طبيعة  التفكير البشري، الأمر الذي يجعل بعض صور الاختلاف أمرًا مشروعًا لا يُمكن إلغاؤه أو تجاوزه، كما هو الحال عند  بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من نصوص الوحي، والمصطلح عليه بالاجتهاد.مجلة الكلمة

       ومن هذا المنطلق، فإنّ الاختلاف والتعدّد داخل الساحة الدينية، يُمثل ظاهرة صحيّة، لأنه يفسح المجال لتعدد القراءات التفسيرية والتأويلية، وتنوع الاجتهادات الفقهية والفكرية في دائرة النصوص الظنية ومساحات الاجتهاد. لذلك، ظهرت في الأمة الإسلامية بعد انقطاع الوحي وانتقال رسول الإسلام الى الرفيق الأعلى، وقيام الدولة المسلمة، مذاهب ومدارس وتيارات اجتهادية متعددة ومختلفة، سواء في أصول العقيدة أو فروعها، أو في مجالات علمية أخرى، كاللغة والتفسير والتاريخ والفلسفة.. إلخ.    

من هنا، فإنّ المسألة المحورية لم تعد تتمثل في القضاء على مظاهر التنوع والتعدّد، أو الدعوة إلى إلغاء الاختلاف، لأنّ ذلك يتعارض مع طبيعة الإنسان وسُنن الاجتماع، ومشروعية الاجتهاد والتفكر والتدبّر، وإنما تتمثل في البحث عن سُبل الإدارة الرشيدة لهذا التنوع والاختلاف، في المجالات العلمية والمعرفية  الحسّاسة، كالعقيدة وفروعها، أي في امتلاك القدرة الفكرية والأخلاقية على تنظيم الاختلاف وضبطه، والحدّ من آثاره السلبية، وتحويله من عنصر صراع واستقطاب مذهبي أو طائفي، إلى مصدر إثراء وتكامل وتعاون في طلب الحق والحقيقة. أما في مجالات علمية أخرى، فإنها قائمة – أساسًا - على تعدُّد النظريات والاجتهادات، وتراكم المعرفة الإنسانية المتنوعة الاتجاهات والمدارس.   

في هذا السياق، تبرز أهمية كتاب (إدارة الاختلاف في الاجتماع الديني: دعوة للمحبة والحوار والتآلف) للكاتب والمفكر الشيخ حسن بن موسى الصفار، أولا، في مقاربته العلمية لموضوع حساس وشائك، يضرب بجذوره في عُمق التاريخ الإسلامي، ثانيًّا، في كونه لا يُقدم معالجة نظرية مجرّدة لمفهوم إدارة الاختلاف، وإنما يعرض رؤية متكاملة، نابعة من تجربة عملية طويلة في مجال الدعوة والحوار الإسلامي والتقريب بين المذاهب، والعمل الاجتماعي والثقافي في بيئة متنوعة ومتعددة مذهبيًّا. فالمؤلف عالم دين وخطيب ومفكر، عاش قضايا الاختلاف المذهبي والديني عن قُرب، وأسهم في مُبادرات الحوار والتواصل.

 لذلك، فقد تناول هذا الموضوع انطلاقًا من خبرة وممارسةً، قبل صياغته تنظيرًا فكريًّا، الأمر الذي أكسب الكتاب قدرًا كبيرًا من الواقعية والعُمق. بالإضافة إلى ارتكازه على مرجعية إسلامية أصيلة، تستمد أُسُسها من القرآن الكريم والسُّنة النبوية، ومن تُراث أئمة أهل البيت النبوي، وما تضمّنه من إرشادات وتوجيهات تصبُّ في ترسيخ قيم العدل والرحمة والحكمة في العلاقة بين المسلمين.

ومن خلال هذه المنظومة القيمية الجامعة، يسعى المؤلف إلى ترسيخ ثقافة جديدة في إدارة الاختلاف المذهبي والتعدُّد والتنوع الاجتماعي، تجعل من المحبة والتفاهم والتآلف والتآخي، مُرتكزات للعلاقات الإنسانية داخل المجتمع الديني، وتُؤكد أنّ أيَّ اختلاف لا يتحوّل إلى أزمة، إلا عندما يفقد ضوابطه الأخلاقية والقيمية.

في هذه القراءة  سنُحاول - بإيجاز -  تسليط الضوء على أهم الأفكار الواردة في فصول هذا الكتاب، وتحليل رؤيته لإدارة الاختلاف، والكشف عن أهم المرتكزات الفكرية والأخلاقية التي اعتمدها في بناء مشروعه، مع الوقوف عند أبرز الرسائل التي يُقدمها الكتاب في مجال ترشيد الاختلاف، وتعزيز ثقافة الحوار، وبناء مجتمع ديني قادر على استيعاب التنوع الفكري والمذهبي في إطار الوحدة والاحترام المُتبادل.

الفصل الأول: ثقافة العلاقات الاجتماعية

يستهل المؤلف كتابه بالحديث عن ثقافة العلاقات الاجتماعية، باعتبارها المدخل الحقيقي لفهم إشكالية الاختلاف في الاجتماع الديني، لأنّ إدارة الاختلاف – في نظره-  لا تبدأ عند لحظة وقوع الخلاف، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال بناء منظومة أخلاقية وقيمية تحكم علاقة الإنسان بالآخرين من بني جنسه. ومن هذا المنطلق، لم يتناول المؤلف الاختلاف بوصفه قضية فكرية مُجردة، بل أعاده إلى جذوره الاجتماعية والنفسية، مؤكدًا أن نجاح أي مشروع لإدارة الاختلاف يظل رهينًا بسلامة العلاقات الإنسانية التي تربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض.

إنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، غير أنّ هذه الطبيعة الاجتماعية تقترن بتعدُّد الرغبات والمصالح والأمزجة ووجهات النظر المختلفة، الأمر الذي يجعل الاحتكاك والاختلاف أمرًا لا مفرّ منه. لذلك، فالإشكالية هنا – حسب المؤلف - تكمن في كيفية التعامل مع هذا الواقع.  فالناس يتّخذون عند الاختلاف مسالك متعددة، فمنهم من يحاول إخضاع الآخرين لرؤيته الخاصة، ومنهم من يختار الانعزال والابتعاد عن المجتمع، ومنهم من يجعل حياته سلسلة من الخصومات والصراعات.  وفي مُقابل هذه الخيارات، يدعو المؤلف إلى تبنّي منهج أكثر اتزانًا يقوم على الصبر، واستيعاب الاختلاف، وضبط الانفعالات، باعتبار أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الاختلاف ذاته، وإنما في طريقة الاستجابة له. 

       كما أنّ العلاقات الإنسانية لا يُمكن أن تستقيم إلا إذا تأسست على منظومة من القيم الأخلاقية، في مقدمتها معرفة حقوق الآخرين والاعتراف بها، وتغليب العقل على الانفعال، والسيطرة على نزعات الغضب، والاستعداد للعفو والتسامح متى كان ذلك سبيلًا إلى حفظ العلاقة الإنسانية. وأن يُحب  للآخرين ما يُحب لنفسه،  ومن ثم، فإنّ إدارة الاختلاف  - في نظر المؤلف - لا تنفصل عن إدارة النفس والتحكم في انفعالاتها، فكما هو مشاهد في العلاقات الاجتماعية العامة، فإنّ أي ردّ فعل مُنفعل وغاضب، قد يحوّل أبسط صور الاختلاف إلى نزاع وعداء وتحارب.

       وهنا يبرز الدور الإيجابي للدين ومنظومته القيمة في ترسيخ العلاقات الاجتماعية، ورفض النزعة الانعزالية التي قد يتلبس بها بعض المتدينين، حفاضًا على الهوية، أو كردّ فعل على تمييز معين، أو خوفًا من الذّوبان. لأن رسالة الدين لا تدعو إلى الانغلاق داخل دوائر ضيقة، دينية أو مذهبية وطائفية أو إثنية، وإنما تؤسس لثقافة التعارف والتواصل والتعاون بين الناس. وفي هذا الإطار يُشير المؤلف إلى  الكثير من التشريعات والعبادات الإسلامية، التي  تحمل في بنيتها ومقاصدها أبعادًا اجتماعية واضحة بالإضافة – طبعا- إلى الطابع التعبُّدي، تجلى ذلك في الصلاة جماعة، وصلاة الجمعة، والحج، والأعياد، وغيرها من المناسبات التي تعزز الروابط بين أفراد المجتمع، وتغرس قيم التعارف والتضامن والتواصل.

وبالتالي، فالانتماء الديني يجب أن يكون دافعًا للانفتاح الإيجابي على المجتمع، لا مبررًا للانعزال أو القطيعة. «إنّ الإنسان المُتدين السّوي- كما يقول المؤلف- ينبغي أن يكون في أي موقع، في الدراسة، أو العمل أو السفر أو الحضر، مبادرًا للانفتاح على من حوله وصنع العلاقة الإيجابية معهم، فذلك ما يدعو إليه الدين ويدفع إليه العقل والفطرة الإنسانية» (ص37). 

ويُواصل المؤلف بناء رؤيته للعلاقات الاجتماعية المنشودة، بعد أن تحدث عن مساوئ الانطواء وإيجابيات ومكاسب الانفتاح، من خلال التأكيد على أهمية التربية على المحبة. انطلاقًا من البُعدين الإنساني والديني معًا، حيث نجد الدعوة إلى الابتعاد عن العدوان أو الاعتداء على الناس،  مقترنة بالتشجيع على الإحسان إليهم.  فالمجتمع لا يتماسك بتطابق أفراده في الآراء والاجتهادات، وإنما بقدرتهم على المحافظة على روابط المودة والمحبة والتعاون على تسيير أمور الحياة المشتركة رغم اختلافهم.. لأنّ المحبة هي الأصل (ص 51)، وهذه المحبة لا تعني إلغاء الاختلاف أو تجاهله، بل تعني منع هذا الاختلاف من الانزلاق إلى الكراهية والعداء. ولتحقيق ذلك، يدعو المؤلف إلى العمل على تحقيق نوع من التوازن بين المحبة والعداوة، عبر إشاعة حسن الظن، والبحث عن الأعذار، والتسامح، ومراعاة مشاعر الآخرين، وعدم تضخيم الأخطاء، وترك المجال مفتوحًا دائمًا للمراجعة والإصلاح، لأنّ العلاقات التي تغلق أبواب العودة سرعان ما تتحول إلى خصومات مستدامة.

ويتابع المؤلف حديثه عن أسباب تفجر الكثير من الخلافات في العلاقات الاجتماعية، عازيًا ذلك إلى غياب «ثقافة التفاهم» (ص55)، التي تُعد من أهم أدوات الوقاية من النزاعات الاجتماعية. والتفاهم - في نظره - لا يتحقق بمجرد تبادل الكلام، وإنما يبدأ بمحاولة فهم الآخر، والوقوف على دوافعه وظروفه ومقاصده، بدل الاكتفاء بالحكم على ظواهر الأقوال أو الأفعال. لأنّ كثيرًا من النزاعات لا تنشأ عن اختلاف حقيقي في المواقف، وإنما عن سُوء الظن أو سُوء الفهم، وعدم القدرة على الاعتراف بالخطأ، أو الاعتذار و قبول العُذر من الآخر.

       كما تناول المؤلف في هذا الفصل، قضية مهمة ودقيقة، تتمثل فيما يُسميه ضرورة المحافظة على المسافة الآمنة في العلاقات الاجتماعية، موضحًا أن نجاح العلاقة لا يقاس بمدى القُرب وحده، بل بالقدرة على مراعاة حقوق الآخرين، والتوازن بين الألفة واحترام الخصوصية، وترك مساحة للحرية والكرامة، مع الحذر من المبالغة في الثقة، أو تجاوز الحدود، التي قد تُؤدي إلى الإخلال بالحقوق والواجبات. ويختتم المؤلف هذا الفصل، بالحديث عن أثر اللغة في بناء علاقات اجتماعية سليمة، محذرًا من مظاهر الانحراف في لغة التخاطب، كالسباب، والفُحش، والسخرية، والتجريح، والتشهير، والاستعلاء، وتحويل الحوار الفكري إلى إساءة شخصية (ص70).

ويتّضح من مُجمل هذا الفصل، أنّ المؤلف أراد أن يؤسس لإدارة الاختلاف من خلال الارتكاز على المنظومة القيمية الدينية، مدعومة بالقيم الإنسانية الفطرية، ظهر ذلك جليًّا في كثرة الآيات والأحاديث والروايات، التي تُؤكد جميعها على البُعدين الأخلاقي والإنساني، في ترسيخ علاقات إنسانية قائمة على الاحترام، والمحبة، والتعارف والتفاهم، وضبط النفس، والإحسان، وحُسن الخطاب.. إلخ.

وبهذا يجعل من ترشيد أو إصلاح العلاقات الإنسانية، وفقا لهذه المنظومة، مقدمة ضرورية لإدارة الاختلاف بين الناس، ونجاح هذه الإدارة، مؤكدًّا أنّ أزمة المجتمعات المُسلمة اليوم، ليست في وجود أيّ تنوع أو تعدّد ما، وإنما في غياب الثقافة القادرة على استيعابه وتوجيهه الوجهة الإيجابية المنسجمة مع منظومة القيم الدينية والإنسانية، ليس على المستوى الإيماني النظري فقط، وإنما على مستوى التمثُّل والالتزام  السلوكي والممارسة.  

الفصل الثاني: الاختلاف والخصومة

ينتقل المؤلف في هذا الفصل من الحديث عن بناء العلاقات الاجتماعية إلى بيان المخاطر التي تهددها، عندما يتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى خصومة وعداء، خصوصًا داخل دائرة العائلة والمُقربين (ص75). كما ينطلق من التمييز بين الاختلاف بوصفه ظاهرة إنسانية مشروعة، والخصومة بوصفها انحرافًا في إدارة هذا الاختلاف، إذ يرى أنّ المشكلة لا تكمن في تباين الآراء، وإنما في هيمنة الأنا، والتعصب، والرغبة في الانتصار، والنزعة إلى الانتقام، وما يصاحب ذلك من تضخيم للأخطاء والتركيز على عيوب المخالف. وعند هذه المرحلة يفقد الإنسان قدرته على النظر الموضوعي، ويصبح أسير صورة سلبية عن خصمه، فلا يرى فيه إلا مواطن الخطأ. وهنا محك الاخلاق والتدين الحقيقي مع من تختلف معه (ص77).

وفي هذا السياق، يؤكد المؤلف أن الخصومة لا ينبغي أن تدفع الإنسان إلى التخلِّي عن الموضوعية والإنصاف، لأن الخلاف لا يبرر الكذب، أو التشويه، أو اختلاق التُّهم، والافتراء على المخالف المذهبي، أو تعميم الأخطاء، أو إلغاء ما لدى المُخالف من جوانب إيجابية. كما هو ملاحظ في بعض وسائل الإعلام التي  تُروج لافتراءات وتُهم لا أساس لها، أو مواقف بعض الدعاة أو الشخصيات العُلمائية، التي يدفعها الاختلاف المذهبي إلى الفجور في الخصومة والشطط والغلو في العداوة والكراهية. وهذا الواقع «يتطلب – حسب المؤلف – من الوسط الديني، القيام بمراجعة عميقة، وإعادة نظر جريئة في أساليب إدارة الخلافات الداخلية، بما يتواءم مع تعاليم الدين ومكارم الأخلاق ومنطق العقل» (ص91).

ويختم المُؤلف هذا الفصل، بالحديث عن موقع المصلحين في أجواء النزاعات الفكرية والمذهبية، مُبينًا أنهم كثيرًا ما يُواجهون اتهامات بالتفريط أو التنازل عن المبادئ لمجرد دعوتهم إلى الحوار وتقريب وجهات النظر. غير أنه يميز بوضوح بين التنازل عن الثوابت، وهو أمر مرفوض، وبين اعتماد أساليب أكثر حكمة ومرونة من أجل رأْب الصّدع وحفظ وحدة المجتمع.

الفصل الثالث: إدارة الاختلاف

يُمثِّل هذا الفصل المحور الرئيس للكتاب، إذ ينتقل فيه المؤلف من تشخيص طبيعة الاختلاف وأسبابه وآثاره وتداعياته، إلى بيان الكيفية التي ينبغي أن يُدار بها داخل المجتمع الديني أو مجتمع المتدينين. حيث أشار في البداية إلى الأسباب العامة للاختلاف الفكري أو المرتبط بالاجتهاد في المسائل الدينية، فهناك تفاوت في مستوى الإدراك والفهم، ومدى وحجم توفُّر المعطيات العلمية، واختلاف زوايا النظر في أي مسألة، بالإضافة الى الخلفية الفكرية والنفسية للمختلفين، وتأثير النزعات المصلحية أو الأمراض الأخلاقية في اتخاذ المواقف (ص111). كل ذلك، يجعل توحيد الأفكار أو إلغاء الاجتهادات، أمرًا مُتعذرًا على المستوى الواقعي، لذلك، فالمطلوب هو العمل على تحقيق القدرة على استيعاب هذا الاختلاف - وما ينشأ عنه من تنوع وتعدد في الاجتهادات - في إطار من الاحترام المتبادل، والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف، وفتح المجال للحوار لمناقشة الآراء المتعددة بالحجج والبراهين، مع التمييز بين القضايا القطعية التي لا تحتمل التعدّد، والمسائل الاجتهادية التي تتّسع لاختلاف الأنظار وتعدُّد الفُهوم.

وأهم شيء في إطار هذه الخطوات الاستيعابية، محاولة فهم وتفهُّم الرأي الآخر (ص116)، لأنّ لكلّ صاحب رأي أو مقولة مبنى معرفيًّا ومنهجيًّا ومنطلقات فكرية، وهذا التفهم يُقرِّب المسافة بين المختلفين، ممّا قد يجعل بعضهم يعذر بعضا أو – على الأقل - الإقرار بوجود وجهات نظر مختلفة للموضوع، كما يقع عادة مع وجود تعدُّد اجتهادي في مسألة معينة ضمن المذهب الواحد (ص121)، وهذا ما يقطع دابر التداعيات السلبية لهذا الاختلاف، أو يحدّ منها ويُخفف وطأتها.

كما أوْلى المؤلف اهتمامًا خاصًا بالاختلاف داخل الجماعة الواحدة، ورأى أنه أكثر حساسية من الاختلاف مع الآخرين، لأن كثيرًا من الناس يطالبون بحقهم في الاختلاف، لكنهم لا يمنحون هذا الحق لمن يختلف معهم داخل مُحيطهم الفكري أو المذهبي. لذلك، يدعو إلى الاهتمام بترسيخ ثقافة تقبل التعدّد، واحترام حرية الاجتهاد والتعبير، واعتماد الحوار والاحتكام إلى الدليل، مع الحذر من تحويل الخلافات الجزئية إلى أسباب للقطيعة والانقسام، لأنّ استيعاب التنوع داخل الجماعة يُمثل الأساس الذي تقوم عليه ثقافة التعايش مع الآخرين «وهذا المنهج الاستيعابي للاختلافات الداخلية، - كما يقول المؤلف – قد أرساه أئمة أهل البيت في أوساط أتباعهم وشيعتهم، ولم يقبلوا أن يتّخذ بعضهم من بعض موقف القطيعة والبراءة، ولا انتهاك الحقوق وتجاوز الحرمات.. » (ص125).

كما يُشير المؤلف إلى أنّ نجاح إدارة الاختلاف لا يرتبط بمضمون الأفكار وحده، وإنما يتوقف أيضًا على أسلوب عرضها والتعبير عنها. أي ضبط لغة الاختلاف (ص 130). فصحّة أيّ رأي، لا تُبرر استخدام لغة جارحة أو متعالية، بل تقتضي احترام المخالف، والابتعاد عن السخرية والتجريح، وتوجيه النقد إلى الفكرة لا إلى صاحبها.

وبالتّالي، فالخطاب الهادئ والعلمي أكثر قدرة على تقريب وجهات النظر، في حين أنّ الخطاب الانفعالي لا ينتج إلا مزيدًا من التوتر والخصومة (ص 131).

وفي السياق نفسه، يُحذّر المؤلف من الوقوع في واحدة من أهم أسباب تحويل الاختلاف في الرأي إلى خصومة وعداوة، ويقصد بها «شخصنة الخلافات» (ص 137)، وذلك بتحويل النقاش من تقويم الأفكار إلى محاكمة الأشخاص ونواياهم. وهذا خطأ منهجي فادح، لأنّ البحث العلمي الموضوعي، يقتضي الفصل بين الرأي وصاحبه، فالإنسان قد يُصيب في مسألة ويخطئ في أخرى، لذلك، لا يجوز أن يتحول الاختلاف مع شخص إلى رفض شامل لكلّ ما يصدر عنه، أو إلى إصدار أحكام أخلاقية لا تستند إلى دليل. «فقبول القول وفق الحديث النبوي – يقول المؤلف- غير منوط بمدى الحب أو البُغض لقائله، بقدر ما هو منوط بمدى صواب أو خطأ ذلك القول..» (ص139).  

وبعد التحذير من سلبيات وخطورة -ما أسماه- الحماس الفكري أو التطرف في الترويج للأفكار (ص 147)، اختتم المؤلف هذا الفصل ببيان أهمية النقد في بناء الفكر وتصحيح المسار، مميزًا بين النقد البنّاء الذي يقصد الإصلاح، ويستند إلى الحجة، ويحفظ كرامة المخالف، وبين النقد الهدام الذي يتخذ من التشهير والسخرية وسيلة لإسقاط الأشخاص.

ويخلص إلى أنّ تقبُّل النقد الموضوعي يعتبر علامة على الشجاعة والنضج الفكري، لأنه يفتح المجال لمراجعة الذات وتطويرها. كما أنّ النقد دليل على أنّ الإنسان يعمل ويتحرك، «فمن لا يعمل ولا يتحرك، ولا يُنتج، لا يُنتقد، لذلك على الإنسان – يقول المؤلف- أن يُعزز الثقة بنفسه، ولا يتردد ولا يتراجع، تهيُّبًا من نقد الآخرين واعتراضهم..» (ص 153).   

الفصل الرابع: الاختلاف الفكري والتآلف الاجتماعي

يختتم المؤلف كتابه ببيان الغاية التي يسعى إليها مشروع إدارة الاختلاف، وهي بناء مجتمع ديني قادر على الجمع بين التنوع الفكري والتآلف الاجتماعي. وفي هذا الإطار، يؤكد أنّ الناس يتفاوتون في مستويات التدين والوعي والثقافة، ومن ثمّ فإنّ نجاح المجتمع لا يُقاس بقدرته على استيعاب النخبة فحسب، وإنما بقدرته على احتضان مختلف المستويات الاجتماعية، ومرافقة الأفراد في مسار النمو والإصلاح. ولذلك، يدعو إلى اعتماد التربية التدريجية، وتشجيع المُتديّن، وتوجيه المخطئ بالحكمة، مع التمييز بين ضَعف التديُّن وبين رفض الدين، حتى لا تتحول الدعوة إلى سبب في التنفير والإقصاء.

وفي السياق نفسه، يعرض المؤلف رؤية متوازنة في التعامل مع الخطأ أو العُصاة (ص173)، قوامُها التفريق بين رفض المعصية واحترام الإنسان، فمقاومة السلوك الخاطئ لا تُبرر إهدار كرامة صاحبه أو معاملته بقسوة وإذلال، وإنما ينبغي أن يكون الهدف هو الإصلاح والهداية واستنقاذ الإنسان. ويرى أنّ هذا المنهج أكثر فاعلية، سواء في المجال الاجتماعي أو في التربية الأسرية، لأنّ الرحمة والحكمة أقرب إلى تحقيق الإصلاح من التشدُّد والعنف.

ثمّ يُناقش المؤلف سُبل تعزيز التآلف داخل المجتمع الديني، مؤكدًا أن الاختلاف في المسائل الجزئية لا ينبغي أن يطغى على المشتركات الكبرى التي تجمع المؤمنين في العقيدة والقيم والمصالح العامة. ومن هذا المنطلق، ينتقد ثقافة التعبئة ضد المخالف داخل البيئة الواحدة، لما تفضي إليه من تحويل الخلافات العلمية إلى قطيعة اجتماعية، ويؤكد أنّ اتساع دائرة المُشتركات يقتضي تضييق مساحة النزاع، لا العكس.

كما يتناول ظاهرة المزايدة الدينية (ص191)، مبينًا أنها من العوامل التي تُغذي التشدد والانقسام، حين يُصبح التشدد معيارًا للتقوى، ويُمارس الضغط على العلماء والقيادات لاتخاذ مواقف أكثر حدّة. ويحذر من أنّ هذه النزعة لا تخدم الدين، بل تُضعف المرجعيات العلمية، وتدفع المجتمع نحو التطرف بدل الاعتدال، مؤكدًا أنّ التديّن الحق، يُقاس بالالتزام بقيم الدين وأخلاقه، لا بالمغالاة في المواقف.

كما خصّص المؤلف جانبًا من هذا الفصل لظاهرة التنمُّر، ولا سيّما التنمُّر الديني، بوصفه اعتداءً على كرامة الإنسان واستغلالًا للدين في التشهير بالمخالف أو الحط من شأنه، سواء في الواقع الاجتماعي أو عبر وسائل التواصل الحديثة (ص201). ويرى أنّ هذا السلوك يناقض رسالة الدين القائمة على صون الكرامة الإنسانية، ويُؤدي إلى تعميق الانقسامات وإشاعة ثقافة الإقصاء.

ويختتم المؤلف كتابه، بالتنبيه إلى المسؤولية الأخلاقية في تداول الكلمة (ص207)، مؤكدًا أنّ الكلمة قد تكون وسيلة للإصلاح كما قد تكون سببًا في إشعال الفتن وتمزيق المجتمعات. ولذلك، يدعو إلى التثبت من الأخبار، وعدم الانجرار وراء الشائعات وخطابات التحريض والكراهية، ولا سيّما في عصر الإعلام الرقمي، حيث أصبحت الكلمة تنتشر بسرعة وتتجاوز آثارها حدود الأفراد إلى المجتمع بأسره. وبهذا يخلص المؤلف إلى أنّ تحقيق التآلف الاجتماعي لا يتوقف على إدارة الاختلاف فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى وعي أخلاقي يضبط السلوك والخطاب، ويجعل من الكلمة أداةً للبناء والتقارب، لا وسيلة للهدم والانقسام.

أخيرًا: الثالوث غير المُقدّس: الجهل، التعصُّب، الاستغلال السياسي

بعد هذه الجولة السريعة في رحاب هذا الكتاب، والتي لا تُغني عن قراءته، خصوصًا لجهة الاطلاع على الحجم الكبير للآيات والأحاديث والروايات والقصص المُستوحاة من سيرة أئمة أهل البيت وتاريخ العلماء، والتي لا تُؤصل لمشروع  إدارة الاختلاف في المجتمع الديني، فقط، وإنما المجتمع الإنساني بشكل عام، لأنّ أسباب الصراع والتحارب الاجتماعي الداخلي في أي مجتمع إنما هي نتيجة اجتماع ثلاثة عوامل خطيرة:  الجهل، التعصب، والاستغلال السياسي، لأي أيديولوجية وضعية أو دينية، فالجهل بالآخر، يُولد سوء الفهم، ويغلق أبواب المعرفة، ويجعل الإنسان أسير الصور النمطية والأحكام المُسبقة، بينما يُحول التعصب المذهبي أو الديني أو لأيّ أيديولوجية ما، الاختلاف في الرأي والاجتهاد إلى معركة وُجود، فيُقصي الآخر ويشكك في نواياه وإيمانه، ويزرع الكراهية بدل التعارف، والقطيعة بدل التواصل، وهذا ما بَسط المؤلفُ القول فيه بإسهاب، وأحاط بكل مفرداته وعناوينه.

أما الاستغلال السياسي السلبي، للدين والمذهب والطائفة والأيديولوجيا، والذي اكتفى المؤلف بالإشارة إليه في مضمون بعض فقراته، فهو  - في نظرنا - كان ولا يزال  السبب الأخطر، والعلة الدائمة لتفجير أو تغذية كل تحارب أو صراع داخلي،  فعبر التاريخ، عملت مُعظم القوى السياسية على استغلال مشاعر الانتماء الديني والمذهبي والأيديولوجي، لإشعال الفتن، وتعبئة الجماهير، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى وسيلة لتحقيق النفوذ والمكاسب، حيث تُراق الدماء، وتُنتهك الحرمات، ويتمزق نسيج الأمة والمجتمع باسم: الدفاع عن دين أو مذهب أو طائفة أو حزب، بينما تكون الدوافع في كثير من الأحيان لغايات سياسية أو تحقيق مصالح سلطوية، ولذلك كان الشعار دائما "فرِّق تسُد"!؟.

لذلك، فإنّ نجاح أي مشروع لإدارة الاختلاف والتعدد والتنوع داخل أي مجتمع، لا بُدّ له من أن يُولي الاهتمام الكافي لمواجه هذا الثالوث غير المُقدس، بثلاثة مرتكزات مقابلة له، وهي: العلم، الحوار، الوعي. فالعلم يُبدِّد الجهل، ويكشف أنّ المشتركات ومساحة الاتفاق بين المسلمين أوسع بكثير من مساحة الاختلاف، وأنّ الاختلاف في كثير من المسائل الاجتهادية أمرٌ عرفته الأمة منذ عصورها الأولى، ولم يمنعها ذلك من التعايش والتعاون. ومن العلم يتفرع الحوار الهادئ، والاعتراف بحق الآخر في الاجتهاد وإبداء الرأي، واحترام التعدُّدية الفكرية في إطار الثوابت الجامعة، بعيداً عن التعصُّب الأعمى الذي لا يرى إلا رأيًا واحدًا، ولا يعترف إلا بفهم واحدٍ ووحيد للدين!؟

كما أنّ الوعي السياسي والديني بشكل عام، يُمثل صمّام الأمان لحماية المجتمعات من التوظيف السلبي للدين أو المذهب، فيُميز الإنسان بين الدين بوصفه رسالة للهداية والإصلاح، والمذهب باعتباره اختيارًا اجتهاديًّا في مجمله،  وبين توظيفهما لتحقيق مصالح حزبية أو طائفية أو سلطوية ضيّقة. فكُلما ارتفع مستوى الوعي، ضعُفت قدرة دعاة الفتنة على استغلال العواطف الدينية وإثارة النعرات المذهبية، وأصبح المجتمع أكثر حصانة في مواجهة مشاريع الانقسام والصراع والتحارب البَيْني.

وإذا كانت هذه القيم، تمثل ضرورة حضارية في واقعنا المعاصر، فإنّها ليست قيماً مُستحدثة، بل متجذِّرة في القرآن الكريم، الذي جعل الحوار منهجًا، والعدل قيمة، والتعارف غاية، والاعتصام بحبل الله أساسًا لوحدة الأمة، ونهى عن التنازع والبغي والعدوان..

 

إدارة الاختلاف في الاجتماع الديني

*مجلة الكلمة، العدد 132، السنة الثالثة والثلاثون، صيف 2026م/ 1448هـ، الصفحات 168 - 179، (مجلة فصلية تعنى بشؤون الفكر الإسلامي وقضايا العصر والتجدد الحضاري، تصدر عن منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث)

[1]  سورة البقرة، الآية: 213.
[2]  سورة هود، الآيتان: 118- 119.
[3]  سورة الجاثية، الآية:17.