الشيخ حسن الصفار كما عرفته
المتابع لمنهج سماحة الشيخ حسن الصفار يدرك أن الانفتاح الفكري والثقافي لم يكن في تجربته مجرد خطاب يُقال، بل ممارسة عشتُ جانبًا منها عن قرب على مدى سنوات. فالصفار الذي عرفته كان رجل دين ومفكرًا ينفتح على الأسئلة قبل الإجابات، ويستمع للرأي المختلف قبل أن يناقشه، ويمنح الشباب والشابات مساحة من الثقة قد تكشف في أحدهم موهبة لم يكن قد اكتشفها في نفسه بعد.
عرفته مشجعًا للكفاءات، حاثًا على العلم والثقافة والحضور في الشأن العام، ومؤمنًا بأن المجتمع لا يتقدم إلا حين يفسح المجال لطاقاته كي تظهر وتعمل. ولم تكن هذه الصورة بالنسبة لي انطباعًا تكون من بعيد، أو قراءة في كتبه ومحاضراته، بل تجربة شخصية بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وتركت أثرًا مباشرًا في واحد من أهم القرارات التي صنعت مسيرتي المهنية: دخول عالم الصحافة.
ولذلك، حين أكتب اليوم عن الشيخ حسن الصفار، فإنني لا أكتب سيرة رجل قرأت عنه، ولا أحاول تقديم دراسة في مشروعه الفكري؛ وإنما أستعيد شيئًا من ذاكرة عشتها معه، ومواقف رأيتها بنفسي، وحوارات دارت في مجلسه، وملامح إنسانية وفكرية بقيت حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.
اللقاء الأول.. رجل مختلف
لا أذكر تاريخ اللقاء الأول بدقة، لكنني أذكر جيدًا ذلك الانطباع الذي بقي في داخلي. كنت قد استمعت إلى الشيخ حسن الصفار في إحدى محاضراته بالقطيف، وشعرت منذ ذلك الوقت بأنني أمام شخصية مختلفة. كنت في تلك المرحلة من حياتي أنظر إلى كثير من القضايا من منظور ثقافي عربي تقدمي إلى حد ما، وأقرأ خارج الأطر التقليدية، ولذلك كان يهمني أن أرى كيف يتعامل رجل الدين مع الأسئلة المختلفة والأفكار التي قد لا تنسجم بالضرورة مع بيئته الفكرية.
وحين اقتربت منه أكثر، وجلست إليه في مجلسه، وجدت أن ما لفتني إليه من بعيد كان أكثر وضوحًا عن قرب. كان يتحدث بهدوء لا يشبه ضجيج بعض المنابر، ويصغي أكثر مما يتكلم، ولا يشعر من يجلس أمامه بأنه مطالب بأن يوافقه في كل شيء. يومها أدركت أن بعض الشخصيات لا تفرض حضورها برفع الصوت، بل بعمق الفكرة واحترام الإنسان.
كنت آنذاك أكتب محاولاتي الأولى؛ مرة مقالًا، ومرة قصيدة، وفي كل زيارة تقريبًا كنت أحمل معي شيئًا مما كتبت وأقدمه إليه. كان يقرأ ويشجع ويوجه، ولعله رأى في قلمي آنذاك شيئًا لم أكن قد أدركته أنا بالقدر نفسه. ومع تكرار اللقاءات بدأ يحثني بوضوح على دخول عالم الصحافة والإعلام.
لم تكن الصحافة يومها مشروعًا مهنيًا مكتملًا في ذهني، لكن تشجيعه جعل الفكرة تكبر. بدأت أبحث جديًا عن صحيفة أطرق بابها، حتى وُفقت إلى بدء تجربتي الصحفية في جريدة «المدينة»، ومنها انطلقت رحلتي في الإعلام السعودي، وتراكمت التجربة عامًا بعد عام.
وحين أستعيد تلك المرحلة اليوم، أدرك أن كلمة تشجيع يقولها صاحب تجربة ومكانة لشاب في مقتبل حياته قد تغير مسارًا كاملًا. وهذه واحدة من الصفات التي عرفت بها الشيخ حسن الصفار؛ قدرته على ملاحظة الكفاءات ثم دفع أصحابها إلى الأمام. فهو لا ينتظر دائمًا أن يأتيه الشاب واثقًا من موهبته وعارفًا بطريقه؛ بل قد يكتشف فيه قدرة لم يكتشفها صاحبها بعد، فيلفت نظره إليها، ويمنحه شيئًا من الثقة، ثم يترك له أن يشق طريقه بنفسه.
وأحسب أنني كنت واحدًا ممن نالوا نصيبهم من ذلك التشجيع.
مجلس يتسع للاختلاف
كان مجلس الشيخ حسن الصفار في تلك السنوات عامرًا بالناس، لكن ما كان يميزه في نظري لم يكن كثرة الحضور بقدر تنوعهم. تجد رجل الدين إلى جانب المثقف، والشخصية الاجتماعية إلى جانب الشاب، بل وحتى بعض صغار السن كانوا يجدون لهم مكانًا في المجلس. وكان ذلك التنوع بحد ذاته يعكس شيئًا من شخصية صاحب المجلس.
كنا نطرح موضوعات كثيرة، وبعضها لم يكن سهلًا أو مألوفًا في المجالس الدينية. نناقش الشيخ، ونطرح الإشكالات، ونستشهد بما قرأناه، وأحيانًا نأتي بآراء لكتاب ومفكرين عُرفوا باختلافهم مع كثير من الطروحات الدينية، من أمثال نوال السعداوي ومحمد أركون، ثم ننتقل إلى الأدب والشعر فنستحضر محمد مهدي الجواهري ونزار قباني ومحمود درويش وغيرهم من الأسماء العربية التي شكلت جانبًا من وعينا الثقافي آنذاك.
كنا نطرح ذلك أمام الشيخ وأمام الحضور بصراحة الشباب وحماسته، وربما بشيء من المشاكسة الفكرية أحيانًا. وكان أكثر ما يلفتني في الشيخ أنه يسمع. قد يعترض، وقد يفند الفكرة، وقد يناقشنا في الدليل أو النتيجة، لكنه يفعل ذلك بهدوء وأريحية، دون أن يحول الاختلاف الفكري إلى خصومة شخصية.
وهذه مسألة لم تكن بسيطة بالنسبة لي في تلك المرحلة. فقد كنا نرى أحيانًا أن مجرد طرح رأي مختلف أو الاستشهاد باسم مثير للجدل كفيل بأن يثير غضب البعض، بينما كان الشيخ الصفار قادرًا على الفصل بين الاستماع إلى الفكرة وبين الموافقة عليها. كان يختلف دون أن يلغي، ويناقش دون أن يصادر حق السائل في السؤال.
ومن تلك المجالس فهمت جانبًا مهمًا من شخصيته الفكرية: سعة الصدر عنده لم تكن مجاملة اجتماعية، وإنما جزءًا من منهج في التفكير. فالإنسان الذي يريد التأثير في مجتمع متعدد لا يستطيع أن يعيش داخل دائرة من يشبهونه فقط، بل يحتاج إلى أن يسمع المختلف، وأن يعرف من أين ينطلق، ثم يخاطبه بالحجة والاحترام.
ولهذا أحببنا الجلوس معه، وكنا نعود إلى مجلسه مرة بعد أخرى. لم يكن المطلوب أن نخرج متفقين معه في كل قضية، وكان ذلك في حد ذاته أحد أسباب جاذبية المجلس؛ أن تستطيع أن تقول ما تفكر فيه، ثم تسمع جوابًا، وترد عليه، ويبقى الاحترام قائمًا.
من الفكر إلى الإنسان
غير أن صورة الشيخ في ذاكرتي لا تقتصر على تلك النقاشات الفكرية. فهناك مواقف صغيرة في ظاهرها، لكنها حين تمر السنوات تصبح أكثر رسوخًا من كثير من الكلمات والمحاضرات.
أتذكر حين قررت الزواج أن الشيخ وقف معي وقفة كبيرة، وتفضل مشكورًا بالخروج معي لإجراء عقد الزواج. رافقني في سيارتي من مجلسه في القطيف إلى منزل والد زوجتي في العوامية، ليجري العقد الشرعي. وما زلت أستعيد تلك الرحلة باعتبارها واحدة من الذكريات الشخصية العزيزة عليّ؛ فالإنسان لا ينسى من شاركه اللحظات المفصلية في حياته.
وهذا الموقف لم يكن منفصلًا عما عرفته عنه. فمن صفات الشيخ التي لمستها عن قرب أنه لا يتعامل مع الناس كأسماء تمر على مجلسه ثم تنتهي علاقتها بانتهاء اللقاء. كان يسأل عن هذا، ويتصل بذاك، ويتفقد من انقطع، ويشجع على العودة والحضور والمشاركة.
وقد تبدو مكالمة للسؤال أو كلمة ترحيب أمرًا بسيطًا، لكنها بالنسبة إلى شاب في بداية طريقه قد تعني الكثير. إنها تمنحه شعورًا بأنه حاضر وموضع اهتمام، وأن هناك من يقدر ما لديه من قدرة وفكرة. وربما كان سر تأثير الشيخ حسن الصفار في كثير ممن اقتربوا منه كامنًا في هذه التفاصيل: أن اهتمامه بالفكرة لم يطغَ على اهتمامه بالإنسان.
أثره في مسيرتي الصحفية
ومع دخولي عالم الصحافة، أخذت علاقتي بالشيخ بعدًا آخر. لم يعد بالنسبة لي فقط ذلك الرجل الذي شجعني على دخول المهنة، بل أصبح واحدًا من الشخصيات التي كنت ألجأ إليها صحفيًا عندما يتطلب التقرير رأيًا أو تصريحًا أو قراءة أعمق لقضية اجتماعية أو فكرية.
وبالنسبة إلى صحفي في مقتبل تجربته، فإن التعامل مع شخصية دينية واجتماعية بمكانة الشيخ حسن الصفار كان يمثل دعمًا مهمًا. فكلما طلبت منه تصريحًا صحفيًا، أو لقاءً، أو مداخلة ضمن تقرير، وجدته مرحبًا ومتعاونًا. ولم يكن ذلك معي وحدي؛ فقد عرفت عنه تعاونًا مماثلًا مع الصحفيين والإعلاميين، وإدراكًا لأهمية الإعلام ودوره في تشكيل الوعي العام.
وكانت قيمة مشاركته بالنسبة للصحفي تكمن في أنه لا يقدم إجابة للاستهلاك الإعلامي فحسب. كان يفكر في السؤال، ويضع القضية في سياقها، ويقدم رأيًا يمكن أن يُبنى عليه داخل التقرير. ولذلك كانت مداخلاته تضيف للمادة الصحفية عمقًا ورصانة، وتفتح أحيانًا أمام الصحفي زاوية أخرى لمعالجة الموضوع نفسه.
وأعتقد أن تجربتي الصحفية مدينة للشيخ في جانب منها مرتين: مرة حين شجعني على دخول الصحافة، ومرة حين تعامل معي بعد دخولي إليها باعتباري صحفيًا له حق السؤال والنقاش والحصول على المعلومة والرأي.
مجلس للناس أيضًا
ومن موقع الصحفي تحديدًا، كنت أراقب جانبًا آخر في مجلس الشيخ ومكتبه. فالناس لم يكونوا يأتون إليه للنقاش الفكري أو الديني فقط؛ كانت تصل إليه قضايا اجتماعية، ومشكلات أسرية، وخلافات واحتياجات متنوعة.
وكان مما أثار تقديري أنه لم يكن يتعامل مع نفسه باعتباره قادرًا على حل كل مشكلة. يستمع، ويحاول فهم القضية، ثم يوجهها - حين تحتاج - إلى أصحاب الاختصاص والجهات الأقدر على معالجتها. وفي رأيي أن هذا جانب مهم من العمل الاجتماعي؛ أن تعرف حدود دورك، وألا تجعل رغبتك في مساعدة الناس سببًا في أن تتولى ما ينبغي أن يقوم به المختص.
لقد رأيت في ذلك فهمًا للعمل المؤسسي قبل أن يكون مجرد ممارسة اجتماعية؛ فخدمة الناس ليست أن تحتفظ بكل ملفاتهم لديك، وإنما أن تساعدهم في الوصول إلى الباب الصحيح.
بعد أكثر من عشرين عامًا
مضت السنوات، وتجاوزت تجربتي في الصحافة والإعلام أكثر من عشرين عامًا. تغيرت خلالها أشياء كثيرة في داخلي؛ اكتسبت الخبرة، واتسعت دائرة المعرفة، وتعمقت الأفكار، وراجعت بعض قناعاتي وغيرت بعضها، فيما تعززت قناعات أخرى بفعل التجربة والاحتكاك بالناس والأحداث. ومع مرور العمر أصبحت أكثر ميلًا إلى الهدوء، وأقل اندفاعًا في إصدار الأحكام، وأكثر إدراكًا بأن الحياة والفكر والإنسان أعقد من أن تختصر في رأي واحد أو زاوية واحدة.
وحين أعود بذاكرتي إلى تلك المجالس القديمة، أدرك أن شيئًا مما تعلمناه هناك ظل يرافقني طوال الطريق.
تعلمت من الشيخ حسن الصفار أن الاختلاف في الرأي حق، وأن احترام المختلف لا يعني بالضرورة الاتفاق معه. وأن الفكرة التي نثق بها لا ينبغي أن تخشى السؤال أو النقاش، بل تقوى بالحوار وتتعرض للمراجعة كلما ظهرت أمامها حجة تستحق التأمل.
وتعلمت منه احترام التخصص؛ فلا يكفي أن يكون الإنسان صاحب مكانة أو معرفة في مجال حتى يمنح نفسه حق الحديث بثقة في كل مجال. وقد رأيت ذلك عمليًا في طريقة تعامله مع قضايا الناس؛ يستمع ويساعد، لكنه حين تكون المسألة من اختصاص غيره يحيلها إلى أهلها. وهذه قيمة تبدو بسيطة، لكنها في زمن تتداخل فيه الأصوات والاختصاصات أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وتعلمت كذلك أن الهدوء ليس ضعفًا، وأن رفع الصوت لا يمنح الفكرة قوة إضافية، وأن القدرة على الاستماع قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من القدرة على الكلام. وربما لم ندرك قيمة ذلك كاملة ونحن شباب نجلس في مجلسه بحماستنا وأسئلتنا واعتراضاتنا، لكن السنوات علمتنا أن سعة الصدر التي كنا نراها أمامنا لم تكن مجرد طبع شخصي، بل كانت حكمة تتراكم خلفها تجربة طويلة.
كما تعلمت أن اكتشاف طاقات الآخرين مسؤولية. فكلمة تشجيع قد تغير مسار شاب، تمامًا كما حدث معي حين دفعني الشيخ إلى الاقتراب من عالم الصحافة. واليوم، وبعد أكثر من عشرين عامًا في هذه المهنة، أفهم بصورة أعمق قيمة أن ترى في إنسان موهبة ثم تدفعه إلى الأمام، دون أن تنتظر منه شيئًا في المقابل.
ولعل أهم ما تغير فينا مع الزمن أننا أصبحنا أقل بحثًا عن الانتصار في النقاش، وأكثر بحثًا عن الحقيقة والفهم. فالإنسان لا يخسر حين يراجع فكرة، ولا ينتقص منه أن يعترف بأن للآخر جانبًا من الصواب. بعض الأفكار غيرناها، وبعضها عمقناها، وبعضها ما زلنا نراجعها حتى اليوم؛ وهذه في ذاتها إحدى ثمار الانفتاح الذي تعلمنا قيمته مبكرًا.
أثر يتجاوز الذكريات
وحين أكتب عن سماحة الشيخ حسن الصفار اليوم، بعد كل هذه السنوات، أجد أن الحديث عنه لا يمكن أن يتوقف عند ذكريات مجلس أو مواقف شخصية، على أهميتها واعتزازي بها؛ لأن خلف تلك التفاصيل يقف فكر عميق تشكل عبر سنوات طويلة من القراءة والتأمل والتجربة والانفتاح على الإنسان والعصر.
فالصفار الذي عرفته لم يكن أسير الإجابات الجاهزة، بل كان دائم الاشتباك مع أسئلة مجتمعه وزمنه، يبحث عن المساحات التي يمكن للدين فيها أن يكون قوة لبناء الإنسان، وللفكر أن يكون جسرًا للحوار، وللاختلاف أن يتحول من سبب للقطيعة إلى فرصة أوسع للفهم والتعارف. ومن هنا أفهم اليوم بصورة أعمق لماذا كان مجلسه يتسع لذلك التنوع، ولماذا كان يستمع إلى الرأي المخالف، ولماذا كان يشجع الشباب والكفاءات، ويحترم التخصص، ويصر على الحوار؛ فهذه المواقف لم تكن تفاصيل منفصلة، بل انعكاسًا لمنظومة فكرية متكاملة.
ولعل قيمة الفكر العميق لا تكمن في عدد الكتب التي ينتجها صاحبه، ولا في كثرة ما يقول، بقدر ما تظهر في قدرته على التحول إلى سلوك وأثر في حياة الآخرين. وهذا ما رأيته في الشيخ حسن الصفار؛ فما قرأناه لاحقًا في أفكاره، كنا قد شاهدنا شيئًا منه قبل ذلك في مجلسه وطريقة حواره وتعامله مع الناس.
أما على المستوى الشخصي، فقد مضيت في طريقي، وتجاوزت تجربتي الصحفية أكثر من عشرين عامًا، وتغيرت خلالها أفكار ونضجت أخرى، لكنني كلما استعدت البدايات تذكرت ذلك الرجل الذي قرأ بعض مقالاتي وقصائدي، ثم رأى في ذلك الشاب شيئًا يستحق أن يذهب به إلى الصحافة.
ذهبت إلى الصحافة، ومضت السنوات، وبقيت الكلمة.
وبقي معها درس أكبر: أن أجمل ما يتركه المفكر ليس فكرة نحفظها عنه فحسب، وإنما عقلًا شجعه على التفكير، وإنسانًا منحه الثقة، ومساحة فتحها للاختلاف، وأثرًا يستمر في الآخرين حتى بعد أن يغادروا مجلسه بسنوات طويلة.
وهكذا عرفت سماحة الشيخ حسن الصفار.






