الإسلام دعوة لتطوير الحياة
يقول تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾[سورة الزمر، الآية: 30]
بعد ثلاثٍ وعشرين سنة من الكدح والاجتهاد في تبليغ الرسالة، شاءت إرادة الله تعالى أن يغادر النبي محمد
هذه الحياة الدنيا، ويلتحق بالرفيق الأعلى، وعمره 63 سنة، على المشهور.
وذلك استجابة لسنة الله تعالى في خلقه وعباده، فكلّ من يأتي إلى هذه الحياة، لا بُدّ أن يرحل عنها، ولا يخلّد فيها، بل ينتقل إلى العالم الآخر.
يقول تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 185]، وقد تكررت هذه الجملة في ثلاث سور من القرآن الكريم: في سورة آل عمران، وسورة الأنبياء، الآية: 35، وسورة العنكبوت، الآية: 57.
فالنبي
بشر تجري عليه كلّ معادلات الحياة البشرية.
يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ﴾ [سورة الكهف، الآية: 110].
ويجري عليه الموت كما يجري على سائر البشر.
يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: 34].
ويقول تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر، الآية: 30].
التأكيد على موت النبي
ولعلّ تعدّد الآيات التي تتحدث عن موت رسول الله
، كهذه الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 144]، تريد ترسيخ هذه الحقيقة في أذهان المسلمين، منعًا لتسرّب أيّ غلوٍّ في مقام رسول الله
، يتجاوز به بشريته، كما حصل لليهود حينما غالوا في عزير، وللمسيحيين حينما غلو في عيسى بن مريم، وحتى يتهيأ المسلمون لمرحلة ما بعد رسول الله
.
ويبدو أنّ هذه الحقيقة كانت واضحة وجلية عند المسلمين، لذلك لم ينكر أحد منهم وفاة رسول الله
، بمعنى حتمية موته، إلّا ما نقل عن عمر بن الخطاب، في صحاح أهل السنة ومصادرهم، كصحيح البخاري وغيره، وما صححه الشيخ الألباني من سنن ابن ماجة، أنّ الخليفة عمر عند وفاة رسول الله
كان في ناحية المسجد يقول: (وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ
، وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَقْطَعَ أَيْدِيَ أُنَاسٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَثِيرٍ، وَأَرْجُلَهُمْ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية 144]"، قَالَ عُمَرُ : فَلَكَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْهَا إِلَّا يَوْمَئِذٍ)[1] .
البعد الاستثنائي في وفاة النبي
لكنّ وفاة رسول الله
ليست كوفاة أيّ أحدٍ من الأنبياء أو البشر، إنها تعني نقلةً ومنعطفًا في حياة البشرية، وصلتها بالوحي وبالغيب الإلهي، فمنذ بداية البشرية، كان هناك أنبياء ورسل يبعثهم الله لهداية خلقه، فأول البشر آدم كان نبيًا، ثم توالى بعده الأنبياء والرسل، وتفيد نصوص إسلامية أنّ عدد الأنبياء 124 ألف نبي. فبعد وفاة كلّ نبي تنتظر البشرية نبيًا آخر، أما رسول الله
فهو خاتم النبيين، وبموته تنتهي مسيرة بعث الأنبياء والرسل.
جاء في كلام لأمير المؤمنين علي
، قَالَه وهُوَ يَلِي غُسْلَ رَسُولِ اللَّه
وتَجْهِيزَه، كما ورد في نهج البلاغة: «بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّه، لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ، مِنَ النُّبُوَّةِ والإِنْبَاءِ وأَخْبَارِ السَّمَاءِ»[2] .
وورد عن الإمام محمد الباقر
: «إِنْ أُصِبْتَ بِمُصِيبَةٍ فِي نَفْسِكَ أَوْ فِي مَالِكَ أَوْ فِي وُلْدِكَ فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنَّ الْخَلَائِقَ لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ»[3] .
ختم النبوة
إنّ خاتمية النبي
للأنبياء، وكون شريعته خاتمة الشرائع الإلهية مما أجمع عليه المسلمون، وهو من ضروريات الإسلام الثابتة ثبوتًا قطعيًا بنص القرآن الكريم.
يقول تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: 40].
وورد فيما صح عن رسول الله
عند جميع المسلمين، كما في صحيح مسلم وغيره، عن رسول الله
أنه قال لعلي
: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إلّا أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي»[4] .
وعنه
: «وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ»[5] .
وقد تحدّث العلماء والمفكرون الإسلاميون خاصة في العصر الحديث، عن فلسفة ختم النبوة، ولماذا لم تتواصل مسيرة بعث الأنبياء من قبل الله تعالى، في عصور زادت فيها وتيرة تقدم الحياة وتطورها، مما يجعل الحاجة أشدّ إلى أنبياء جدد ورسالات جديدة تواكب تطور الحياة؟
وممن بحث هذا الموضوع وناقشه المفكر محمد إقبال اللاهوري، في كتابه (تجديد الفكر الديني)، والشيخ أبو الأعلى المودودي، في كتابه (ختم النبوة في ضوء الكتاب والسنة)، والفقيه الشيخ جعفر السبحاني، في كتابه (معالم النبوة في القرآن الكريم).
وهناك بحث قيّم للشيخ مرتضى المطهري بعنوان (ختم النبوة)، أنصح الشباب بقراءته لتركيزه، ووضوح فكرته واختصاره، (80) صفحة.
لا حاجة لنبي جديد
حول فلسفة ختم النبوة وانقطاع بعث الأنبياء بعد النبي محمد
، مع تسارع التطورات في حياة البشر، تحدّث العلماء والمفكرون المسلمون عن الأسباب والمبررات التي تستوجب التجديد في النبوة، وأنّ من أهمها ثلاثة أمور:
الأول: ضياع تراث وتعاليم الرسالة السابقة، بفقدانها أو تحريفها وتزويرها، وهنا لا بُدّ أن يبعث الله نبيًا جديدًا، لهداية الناس إلى الحقّ وإرشادهم إلى طاعة الله.
الثاني: أن تكون الرسالة السابقة في تشريعاتها ملائمة لزمن خاص وبيئة اجتماعية محدّدة، فيأتي نبي جديد في الزمن الآخر، والبيئة الأخرى بشريعة تناسبها.
الثالث: أن تتطور الحياة الاجتماعية، وتستجد فيها مشكلات لا تستجيب لمعالجتها الشريعة السابقة، مما يوجب إنزال شريعة جديدة على يد نبي جديد.
وكلّ هذه المبررات منتفية بالنسبة إلى الرسالة الإسلامية، فالمصدر الأساس لمبادئ الرسالة وتعاليمها، وهو القرآن الكريم، حفظته الرعاية الإلهية عن أيّ تغيير أو تحريف أو زيادة أو نقصان.
يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر، الآية: 9].
ويرى الشيخ مرتضى المطهري أنّ الإسلام جاء في وقت تقدّم فيه مستوى الوعي الإنساني، والنضج الاجتماعي، بدرجة تمكّنهم من الحفاظ على ميراثهم العلمي والديني، ويبادرون بأنفسهم إلى نشره وتبليغه وتعليمه وتفسيره، بينما كان البشر في العصور السابقة عاجزين عن حفظ ميراثهم العلمي والديني، إنّ القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد من بين الكتب السماوية، الذي بقي سالمًا وصحيحًا بالتمام والكمال، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ مقدارًا عظيمًا من السنة النبوية بقي محفوظًا من آفات العصور والأيام[6] .
الشريعة الخالدة
إنّ شرائع الأنبياء السابقين كانت مناسبة لعصورهم وبيئاتهم، لذلك كانت تحتاج إلى التغيير والتطوير كلما تطورت الحياة وتطور وعي الإنسان، أما الرسالة الإسلامية التي جاءت على يد النبي محمد
فقد صممت لتكون مواكبة لتطور البشرية في كلّ عصورها إلى يوم القيامة، وهي الصورة الأخيرة والكاملة للهدي الإلهي، ولا يحتاج البشر لأكثر مما ورد فيها.
يقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة، الآية: 3].
إنها رسالة تحتضن كلّ القيم الإنسانية الفاضلة.
ورد عن رسول الله
: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ»[7] .
وهي رسالة تستنهض عقل الإنسان وقدراته الجبارة، لكي يدير الحياة على وجه الأرض، بأعلى درجة من الاجتهاد والإتقان.
وتضع المبادئ والضوابط لمعالجة مختلف المشكلات، ومواكبة كلّ تطورات الحياة.
إنّ النصوص الدينية في القرآن والسنة تؤكد على استخدام العقل، وعلى معرفة أسرار الكون، ومعادلات الحياة، وقوانين الطبيعة، وممارسة التفكير والتأمل والتفقه في مبادئ الرسالة ومفاهيمها وقواعدها، لاستنباط الحلول لكلّ المشكلات.
تكريس التخلّف باسم الإسلام
إنّ الإسلام دعوة للتطوير الدائم والمستمر للحياة، ومن البخس بحقّ الإسلام أن نقول إنه يواكب أو يستجيب لتطور الحياة، بل هو يدعو المسلمين لمواصلة مسيرة التطوير، مستنيرين بالوحي، ومسترشدين بالعقل، ومتسلحين بالعلم والاجتهاد.
لكن علينا أن نقرّ ونعترف بأنّ واقع التديّن عند المسلمين لا يعكس ذلك، بل إنّ بعض من يتصدى للحالة الدينية يكرّس التخلف والجمود باسم الإسلام، وأصبحنا نعيش معركة حول كلّ تطور يخالف ما ورثناه وألفناه في مختلف مجالات الحياة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حتى على صعيد الأدوات والوسائل، فهناك من عارض استخدام المطبعة لطباعة الكتب، وهناك من عارض البث الإذاعي والتلفزيوني، وهناك من عارض التعليم وعمل المرأة واستخدام الهاتف، بل حتى سكة الحديد.
إنّ المشكلة ليست في الإسلام، وإنما في بعض أنماط الفهم والممارسة التي تنظر إلى كلّ جديد بعين الريبة والرفض.
ينقل المرجع الديني المعاصر السيد موسى الزنجاني في خواطره وذكرياته، أنه في زمان الملا علي كني (توفي 1306هـ) وكان عالمًا نافذًا في طهران، أُبرم عقدٌ مع البلجيكيين لإنشاء سكة حديد بين طهران ومدينة الري.
الملا علي كني عارض الأمر لأنه كان يعتقد أنّ الأجانب إذا انفتح لهم الباب للدخول إلى إيران فإنّ دين الناس سيذهب. كان نفوذ الملا علي كني بدرجة جعل هذا القرار مُلغًى ما دام على قيد الحياة، وبمجرد وفاته سنة 1306هـ أنشئت سكة الحديد في نفس السنة[8] .
يقول الشيخ مرتضى المطهري: ومما لا ينبغي كتمانه أنّ الجمود والركود الفكريين اللذين حكما العالم الإسلامي خلال القرون الأخيرة، وخاصة توقف الفقه الإسلامي عن التطور وظهور روح الميل والنظر إلى الماضي، والامتناع عن مواجهة روح العصر، تُعدّ من أسباب هذه الهزيمة، فالعالم الإسلامي اليوم أحوج من أيّ وقت مضى إلى نهضة تشريعية تنبع بنظرة جديدة وواسعة وشاملة من أعماق التعليمات الإسلامية[9] .
إنّ ختم النبوة لا يعني استغناء البشرية عن الهدي الإلهي، ولا توقف حركة الحياة، بل يعني انتقال مسؤولية التعامل مع المستجدات إلى الإنسان المسلم، مستندًا إلى مبادئ الرسالة الخاتمة وقيمها العامة، ومستخدمًا العقل والاجتهاد والمعرفة في معالجة قضايا الحياة.
مصادر الخطبة:
- آل مبارك، الشيخ محسن، من سيرة العلماء على لسان السيد موسى الزنجاني، دار دراية للنشر والتوزيع، القطيف، ط1، 2020م.
- الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، المكتب الإسلامي، بيروت، ط4، 1405هـ.
- الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن ابن ماجة، مكتبة المعارف والنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1417هـ
- الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.
- الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
- المطهري، الشيخ مرتضى، ختم النبوة، دار المحجة البيضاء، بيروت، ط1، 1413هـ.
- النيسابوري، الإمام مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار المغني، الرياض، ط1، 1419هـ.






