البناء الأخلاقي لشخصية الإنسان
ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا
عن آبائه بسند متصل إلى رسول الله
، أنه قال: «عَلَيْكُمْ بِحُسْنِ اَلْخُلُقِ فَإِنَّ حُسْنَ اَلْخُلُقِ فِي اَلْجَنَّةِ لاَ مَحَالَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَسُوءَ اَلْخُلُقِ فَإِنَّ سُوءَ اَلْخُلُقِ فِي اَلنَّارِ لاَ مَحَالَةَ»[1] .
من إيجابيات التطور والتقدم في المجتمعات الإنسانية المعاصرة الاهتمام ببناء مستقبل حياة الإنسان، في البعد الصحي والتعليمي والاقتصادي، وكانت في العصور الماضية متروكة للظروف والصدف والمبادرات المحدودة.
أما في هذا العصر فقد تحولت إلى سياسات تخطط لها الدولة، وتلتزم بها تجاه مواطنيها.
في الماضي كانت الأسرة معنية بكلّ شؤون حياة أبنائها، ترعاهم صحيًا بمقدار وعيها وإمكاناتها المحدودة، وضمن ظروف بيئتها الاجتماعية، لذلك يتعرض الأطفال لمختلف الأمراض الفتّاكة، والإعاقات الخطيرة، ويفقد قسم من الأبناء في كلّ أسرة حياتهم في مخاض الولادة أو مرحلة الطفولة.
أما اليوم فالدولة المعاصرة تهتم بالرعاية الصحية من مرحلة الحمل والولادة، بإجراء الفحوصات وتقديم اللقاحات ضمن مواعيدها في مرحلة الطفولة، وتستمرّ هذه الرعاية كحق للمواطن إلى آخر لحظة من حياته، مع تفاوت مستوى الرعاية بين الدول.
أما التعليم في الماضي فكان متروكًا لإمكانات الأسرة، ورغبة الفرد، ومساعدة الظروف المناسبة، فما كان يحظى به إلّا نسبة ضئيلة من أبناء المجتمع، لكنه الآن من الوظائف الأساسية لكلّ دولة، وقد أصبح إلزاميًا في كلّ دول العالم تقريبًا.
وفي المجال الاقتصادي، وبعد أن كانت خيارات الفرد في الكسب الاقتصادي محدودة في إطار مهنة أسرته، أو دوافع حاجته، اتسعت الآن خيارات العمل باختلاف التخصص التعليمي، والاحتياجات المتطورة والمتغيرة لسوق العمل على المستوى الوطني والعالمي.
ولا شك أنّ هذا تطور إيجابي كبير على صعيد بناء مستقبل حياة الإنسان في هذا العصر، لم يكن يحظى به إنسان العصور الماضية، هذا على المستوى العام وبنظرة إجمالية، مع الاعتراف والإقرار بوجود مساحة من الحرمان والتخلف لا تزال تعيشها بعض المجتمعات، بسبب سياسات الظلم والفساد.
البعد الأخطر المهمل
لكنّ هناك مجالًا مهمًا وبعدًا أساسًا في بناء مستقبل حياة الإنسان لم يلقَ الاهتمام المطلوب، وهو البناء الأخلاقي لشخصية الإنسان، فهو كائن تتصارع في داخله نوازع الخير ونوازع الشر، وحين تسيطر عليه نوازع الشر يدمّر حياته وحياة من حوله.
إنه في حاجة ماسة إلى تهذيب النفس وتنمية نوازع الخير في أعماق ذاته، ليكبح جماح أنانيته، ويُحسن التعامل مع أبناء جنسه، وهذه هي رسالة البناء الأخلاقي لشخصية الإنسان.
لا شك أنّ الرعاية الصحية، والتعليم، والكسب الاقتصادي، أمور أساسية لبناء مستقبل حياة الإنسان، لكنّ انعدام الوازع الأخلاقي أو ضعفه، قد يبدد ويضيّع كلّ مكاسب الإنسان في الحياة. فقد يصاب بالأمراض النفسية، وقد يتوجه لإدمان المخدرات، وقد يقدم على الانتحار، وقد يخون وطنه، ويظلم أبناء مجتمعه، ويؤذي أقرباءه، ويسيء معاملة زملائه.. إلى آخر قائمة المفاسد والموبقات التي يقع فيها من يفتقد الوازع الأخلاقي.
وكم نسمع عن أشخاص يمتلكون كلّ مقومات الحياة المادية الجيدة، من صحة وتعليم ومال، لكنهم يفشلون في حفظ حقوق أزواجهم، أو يتورطون في جرائم كبرى، وتتضمن القوائم التي تنشرها هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) في المملكة عن الفاسدين والمرتشين، نماذج من هؤلاء.
قالوا بأنّ أبًا كان يعاني من سوء تصرفات ولده، ويعاتبه دائمًا بقوله: متى تكون آدميًا؟ متى تكون إنسانًا؟ ثم ضاق به ذرعًا وطرده من بيته، فخرج الولد إلى منطقة أخرى، ودخل في السلك العسكري، وتدرّج حتى أصبح قائدًا لشجاعته القتالية، وجاء يومًا بموكبه العسكري إلى مدينته السابقة، فخرج الناس في استقبال الموكب، وكان أبوه من جملة الناس، وهو لا يعرف أنّ هذا القائد هو ابنه، فلما لمح أباه، أنحى بفرسه نحوه، ثم خاطب أباه بتبجّح وهو على فرسه: ألا تعرفني؟ أنا ابنك الذي كنت تقول له: متى تكون آدميًا؟ متى تكون إنسانًا؟
ها أنا قد صرت قائدًا عسكريًا كما ترى!
فأجابه الوالد فورًا: نعم، لقد أصبحت قائدًا عسكريًا، ولكنك بعد لم تصبح آدميًا إنسانًا! قال: وكيف؟ قال له: لو كنت آدميًا إنسانًا لما خاطبت أباك بتبجح وأنت على ظهر فرسك!!
إنّ سؤال الأخلاق هو ما يجب أن يشغل بال المجتمعات الإنسانية المعاصرة، فمتى تصل إلى مستوى الاهتمام برعاية الصحة الروحية والأخلاقية، كما هو الحال في الاهتمام برعاية الصحة الجسمية، وإلزامية التعليم، والتخطيط للتنمية الاقتصادية؟
الأخلاق رسالة الدين
إنّ رسالة الدين هي إثارة الاهتمام بالبناء الأخلاقي لشخصية الإنسان، وتتركز المساحة الأوسع في النصوص الدينية على هذا البعد، ذلك أنّ المهمة الأولى للنبي
، هي تزكية النفوس، يقول تعالى: >هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ< [سورة الجمعة، الآية: 2].
والفلاح والنجاح في هذه الحياة شرطه تزكية النفس، يقول تعالى: >قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ< [سورة الأعلى، الآية: 14].
وجاء عن رسول الله
: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ»[2] .
وكانت سيرة رسول الله
وتوجيهاته، وكذلك سيرة الأئمة من عترته
وتوجيهاتهم، تتمحور بشكل أساس حول البناء الأخلاقي لشخصية الإنسان.
وحين نقرأ سيرة الإمام علي بن موسى الرضا
، الذي نستقبل ذكرى وفاته، نرى تركيزه الكبير على الجانب الأخلاقي، فهو يروي عن آبائه بسند متصل إلى رسول الله
، أنه قال: «عَلَيْكُمْ بِحُسْنِ اَلْخُلُقِ فَإِنَّ حُسْنَ اَلْخُلُقِ فِي اَلْجَنَّةِ لاَ مَحَالَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَسُوءَ اَلْخُلُقِ فَإِنَّ سُوءَ اَلْخُلُقِ فِي اَلنَّارِ لاَ مَحَالَةَ»[3] .
ويروي بنفس الإسناد عنه
: «اَلْخُلُقُ اَلسَّيِّئُ يُفْسِدُ اَلْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ اَلْخَلُّ اَلْعَسَلَ»[4] .
ويروي بنفس الإسناد عنه
، أنه قال: «إِنَّ جَبْرَئِيلَ اَلرُّوحَ اَلْأَمِينَ نَزَلَ عَلَيَّ مِنْ عِنْدِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عَلَيْكَ بِحُسْنِ اَلْخُلُقِ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِخَيْرِ اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ، أَلاَ وَإِنَّ أَشْبَهَكُمْ بِي أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا»[5] .
ويروي بنفس الإسناد عن جده أمير المؤمنين علي
: «حُسْنُ اَلْخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ»[6] .
كما وردت عن الإمام علي بن موسى الرضا
روايات كثيرة حول كثير من المفردات الأخلاقية.
أما سيرته فكانت تجسيدًا لمكارم الأخلاق، يقول إبراهيم بن العباس، وقد صحب الإمام مدة من الزمن: «مَا رَأَيْتُ أَبَا اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ جَفَا أَحَدًا بِكَلِمَةٍ قَطُّ، وَلاَ رَأَيْتُهُ قَطَعَ عَلَى أَحَدٍ كَلاَمَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، وَمَا رَدَّ أَحَدًا عَنْ حَاجَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَلاَ رَأَيْتُهُ شَتَمَ أَحَدًا مِنْ مَوَالِيهِ وَمَمَالِيكِهِ قَطُّ، وَكَانَ إِذَا خَلَا وَنَصَبَ مَائِدَتَهُ أَجْلَسَ مَعَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ مَمَالِيكَهُ وَ مَوَالِيَهُ حَتَّى اَلْبَوَّابَ اَلسَّائِسَ، وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَثِيرَ اَلْمَعْرُوفِ وَاَلصَّدَقَةِ فِي اَلسِّرِّ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَأَى مِثْلَهُ فِي فَضْلِهِ فَلاَ تصدق»[7] .
الرسالة والتوصيات
1/ إنّ أفضل ما نستفيده من إحياء ذكرى الإمام الرضا
وسائر الأئمة
هو محاولة الاقتداء بهم، والاهتداء بهديهم في البناء الأخلاقي لشخصياتنا، وتهذيب وتزكية نفوسنا، لنفوز بالسعادة والجنة، ونجتنب الشقاء والنار، «فَإِنَّ حُسْنَ اَلْخُلُقِ فِي اَلْجَنَّةِ لاَ مَحَالَةَ، وسُوءَ اَلْخُلُقِ فِي اَلنَّارِ لاَ مَحَالَةَ» كما يروي الإمام الرضا
عن جده رسول الله
.
2/ وعلينا أن نهتم بالبناء الأخلاقي لشخصيات أبنائنا وبناتنا، كما نهتم برعايتهم الصحية ومسارهم التعليمي، وذلك بأن نتحدث ونتحاور معهم في قضايا الأخلاق والسلوك، ونحفّزهم لتزكية أنفسهم وتهذيبها، ونشجّعهم على الحضور في الأجواء الدينية الصالحة.
3/ وأن نحمل هذه الرسالة لمن حولنا من أقرباء وأصدقاء وزملاء، فنكون دعاة للخير والصلاح عبر سلوكنا وأحاديثنا الهادفة مع الآخرين.
مصادر الخطبة:
- الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، المكتب الإسلامي، بيروت، ط4، 1405هـ.
- الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت، ط1، 1404هـ.






