مهارات الشباب

 

جاء في أمالي الطوسي بإسناده عن أبي قتادة عن الإمام جعفر الصادق أَنَّهُ قَالَ: «لَسْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَى اَلشَّابَّ مِنْكُمْ إِلَّا غَادِيًا فِي حَالَيْنِ: إِمَّا عَالِـمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَرَّطَ، فَإِنْ فَرَّطَ ضَيَّعَ، وَإِنْ ضَيَّعَ أَثِمَ»[1] .

كما في كلّ عام، فإننا نحتفي مع انتهاء العام الدراسي بتخرج مجاميع من أبنائنا وبناتنا من دراستهم الجامعية، من داخل الوطن، ومن المبتعثين للدراسة في الخارج، وانضمامهم إلى قوائم الباحثين عن فرص العمل لبناء حياتهم ومستقبلهم، وللمشاركة في برامج التنمية لأوطانهم، ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن المهارات.

لم يَعُدْ كافيًا في هذا العصر بالذات، الاكتفاء بتحصيل الشهادة الأكاديمية، كما كان في زمن سابق، فهناك وفرة من الخريجين وحملة الشهادات، والتنافس شديد على فرص العمل، وقد تغيّرت احتياجات سوق العمل نتيجة التطورات التكنولوجية والاقتصادية. وهذا ما يؤكد أهمية اكتساب وتنمية المهارات عند الشباب، إلى جانب التحصيل العلمي الدراسي، فذلك هو ما يعزّز فرصهم الوظيفية والعملية.

اليوم العالمي لمهارات الشباب

من الأيام العالمية التي أعلنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم العالمي لمهارات الشباب، وهو اليوم الخامس عشر من يوليو، والذي صادف هذا العام يوم الأربعاء الماضي قبل أمس.

وذلك للتذكير بالأهمية الإستراتيجية، لتزويد الشباب بالمهارات اللازمة، لنجاحهم في إدارة حياتهم، ولتعزيز دورهم وتأثيرهم في تنمية أوطانهم ومجتمعاتهم.

الشباب هم القوة الفاعلة التي تصنع مستقبل الأمم والأوطان، ومرحلة الشباب هي أفضل مرحلة يكتسب فيها الإنسان الكفاءات والمهارات وتنمية القدرات والمواهب. إذ تكون قواه العقلية والجسمية في أتم الاستعداد والفاعلية والنشاط.

وهذه حقيقة واضحة تشير إليها النصوص الدينية في حديثها عن قيمة مرحلة الشباب وضرورة استثمارها.

فقد جاء عن أمير المؤمنين علي : «بَادِرْ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ»[2] .

وعن الإمام جعفر الصادق : «لَسْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَى اَلشَّابَّ مِنْكُمْ إِلَّا غَادِيًا فِي حَالَيْنِ: إِمَّا عَالِـمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَرَّطَ، فَإِنْ فَرَّطَ ضَيَّعَ، وَإِنْ ضَيَّعَ أَثِمَ»[3] .

اكتساب المهارات وتنميتها

المهارات في اللغة: جمع مهارة، وهي الحذق في الشيء والإحكام والأداء المتقن له. ومهر الشيء: أحكمه وصار به حاذقًا، فهو ماهر[4] .

والمهارة اصطلاحًا: هي القدرة على أداء مهمة أو نشاط معيّن بكفاءة وإتقان، وبأقلّ جهد ووقت ممكنين.

وتُكتسب المهارة عبر التعلم، والتدريب، والمحاكاة، والممارسة المستمرة.

وهناك نوعان من المهارات الأساسية: المهارات الصلبة، وتتمثل في القدرات التقنية الملموسة التي يتم تعلمها عبر الدراسة والتدريب، مثل البرمجة، والمحاسبة، وتحليل البيانات، والتحدّث بلغات أجنبية.

والمهارات الناعمة، وهي السمات الشخصية والاجتماعية، كحسن التفاعل مع الآخرين، وحسن إدارة العمل، ومهارات التواصل والعمل الجماعي، وحلّ المشكلات، وإدارة الوقت.

فهناك تمايز بين المعرفة أو العلم الذي ينال بالدراسة والتحصيل الأكاديمي. وبين المهارة التي تُكتسب بالممارسة، وتنمية السمات والقدرات النفسية والحركية، لذلك تفضل الشركات من له شهادات خبرة مهنية، إلى جانب الشهادة الأكاديمية.

فمثلًا: في مجال الطب والجراحة، قد يدرس الإنسان الطب، ويتأهل معرفيًا لممارسة الجراحة، لكن القدرة على أداء مهمة الجراحة بكفاءة وإتقان، وبأقل جهد ووقت ممكنين، بحيث يتمتع الطبيب الجراح بثبات يدٍ عالٍ، وتوافق بصري حركي ممتاز، وثبات انفعالي يمنعه من الذعر والارتباك عند أيّ طارئ أثناء العمل الجراحي، فهذا هو ما يميّز الطبيب الماهر.

ومثال آخر في العالم الديني، فهناك عالم له معرفة بعلم الفقه والأصول وسائر الدراسات الدينية فقط، وآخر يمتلك إلى جانب العلم مهارة التشخيص للموضوعات الخارجية، لكي يطبّق وينزّل عليها الأحكام الشرعية، ويمتلك حسن التخاطب مع الجمهور، وإدارة العلاقة مع المحيط الاجتماعي. هذه المهارات تعطي عالمَ الدين فرصًا أكبر للنجاح والتأثير.

المهارات والخبرة المهنية

إنّ شبابنا في حاجة ماسة إلى اكتساب المهارات الحياتية، وهي مجموعة من المهارات النفسية والشخصية التي تساعد الإنسان على اتخاذ قرارات مدروسة بعناية، والتواصل بفعالية مع الآخرين، وتنمية مهارات التأقلم مع الظروف المحيطة وإدارة الذات.

ورد عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ، فَقُلْتُ: عَلِّمْنِي دُعَاءً فِي الرِّزْقِ، فَقَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ تَوَلَّ أَمْرِي وَلَا تُوَلِّ أَمْرِي غَيْرَكَ، فَعَرَضْتُهُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ [الإمام جعفر الصادق ] فَقَالَ : «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ مِنْ هَذَا فِي الرِّزْقِ، تَقُصُّ أَظَافِيرَكَ، وَشَارِبَكَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ»[5] .

ويبدو من هذه الرواية أنّ الإمام رأى ضعفًا عند الرجل في إدارة ذاته، ومن مظاهره عدم الاهتمام بالأناقة والنظافة، فنصحه بتلافي ذلك الضعف، ليساعده على النجاح في حياته المالية.

قد نجد من يحمل شهادة أكاديمية عالية، لكنه يفتقد مهارات حياتية مهمة، فلا ينجح في إدارة ذاته، أو إدارة عائلته، أو في مجال عمله ومحيطه الاجتماعي.

كما أنّ الخريجين في حاجة إلى اكتساب المهارات المرتبطة بتخصصاتهم، وهذا يكون عن طريق التدريب، والممارسة، والمحاكاة.

وبعض الخريجين قد يزهد في بعض فرص العمل ضمن تخصصه إذا كان الدخل فيها منخفضًا، أو حتى خارج تخصصه، ويُفضّل البقاء عاطلًا، مما يحرمه من فرصة التدريب لصقل مهاراته وقدراته.

وألفت نظر الأخوة الشباب والأخوات الشابات إلى أهمية قراءة التجارب الناجحة في كلّ مجال من المجالات، فمن يدخل عالم الاستثمار عليه أن يقرأ تجارب الناجحين والفاشلين فيه.

وكذلك على من يدخل عالم أيّ تخصص من التخصصات. وعليه أن يعتمد التثقيف الذاتي لاكتساب السمات النفسية والشخصية المؤهلة للتقدم والنجاح.

مِنِّي إِلّا أَصْلَحْتَهَا، وَلَا عَائِبَةً أُؤَنَّبُ بِهَا إلّا حَسَّنْتَهَا، وَلَا أُكْرُومَةً فِيَّ نَاقِصَةً إلّا أَتْمَمْتَهَا...

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَارْزُقْنِي صِحَّةً فِي عِبَادَةٍ، وَفَرَاغاً فِي زَهَادَةٍ، وَعِلْماً فِي اسْتِعْمَالٍ، وَوَرَعاً فِي إِجْمَالٍ»[6].

 

مصادر الخطبة:

  1. الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الكلم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
  2. الصفار، حسن (إعداد وتقديم)، صحيفة زين العابدين الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أطياف للنشر والتوزيع، القطيف، ط2، 2024م.
  3. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن (شيخ الطائفة)، الأمالي، دار الثقافة، قم، ط1، 1414هـ.
  4. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
  5. نخبة من اللغويين بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، المعجم الوسيط، دار الفكر، بيروت، ط2.

 

 

خطبة الجمعة 3 صفر 1448هـ الموافق 17 يوليو 2026م.

[1]  الشيخ الطوسي، الأمالي، ص303، ح51.
[2]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص168، ح3.
[3]  الشيخ الطوسي، الأمالي، ص303، ح51.
[4]  المعجم الوسيط، مادة (مهر).
[5]  الكافي، ج6، ص491، ح12.
[6]  صحيفة زين العابدين، وكان من دعائه في مكارم الأخلاق ومرضي الفعال، رقم: 20.