عاشوراء.. إثراء الوجدان الإنساني
جاء في كتاب عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق بسند معتبر عن الإمام علي بن موسى الرضا
أنه قال: «مَنْ تَذَكَّرَ مُصَابَنَا فَبَكَى وَأَبْكَى لَمْ تَبْكِ عَيْنُهُ يَوْمَ تَبْكِي الْعُيُونُ»[1] .
إظهار الحزن والأسى من أهم سمات إحياء عاشوراء عند شيعة أهل البيت، وذلك انطلاقًا من نصوص وروايات وردت عن أئمة أهل البيت
تشجع على إبداء الحزن، والتألم للظلامات والمصائب التي وقعت يوم عاشوراء، على الحسين وأهل بيته.
فهناك روايات تحث على البكاء لمصاب الحسين
وتبيّن ما له من الأجر والثواب كالمروي عن الإمام الرضا
: «فَعَلَى مِثْلِ اَلْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ اَلْبَاكُونَ، فَإِنَّ اَلْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ اَلذُّنُوبَ اَلْعِظَامَ»[2] .
والرواية التي بدأنا بها حديثنا عنه
: «مَنْ تَذَكَّرَ مُصَابَنَا فَبَكَى وَأَبْكَى لَمْ تَبْكِ عَيْنُهُ يَوْمَ تَبْكِي الْعُيُونُ»[3] .
وهناك روايات تحكي عن إظهار الأئمة حالة الحزن والبكاء عند ذكر مصاب الحسين
، ومن الثابت عند جميع المسلمين بأحاديث صحيحة السند، أنّ رسول الله
بكى على ما سيصيب سبطه الحسين
، من حين ولادته وأيام طفولته، في ظاهرة فريدة من نوعها، حيث تكرر مشهد بكاء رسول الله
على ما سيحدث للحسين، أمام عدد من أمهات المؤمنين والصحابة، فقد روى ذلك علي
، وأنس، وأبو أمامة، وعائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم الفضل بنت الحارث، وغيرهم. ومن المتأخرين الذين نقلوا وصححوا بعض تلك الأحاديث من أعلام المحدثين السنة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة[4] .
ولا تكاد تخلو سيرة إمام من أئمة أهل البيت، من مشاهدَ للبكاء والحزن على مصاب الحسين
، وأنهم كانوا يستمعون رثاء الشعراء للحسين
ويشجعونهم على ذلك.
فتلقى الشيعة هذه السنة من رسول الله
ومن الأئمة الطاهرين بعده، وتوارثتها أجيالهم حتى جيلنا الحاضر.
جدوى استمرار الحزن والبكاء
وهناك من يتساءل عن جدوى الاستمرار في البكاء، وتجديد الحزن على مصاب الحسين في كلّ عام بل في كلّ آن؟
ولا نريد معالجة هذا الموضوع من زاوية مشروعيته، فهو جدل مذهبي قديم، كتبت حوله كتب وأبحاث كثيرة.
ومنها كتاب «إقناع اللائم على إقامة المآتم» للسيد محسن الأمين العاملي، وكتاب «المجالس الفاخرة» للسيد عبدالحسين شرف الدين، وكتاب «سيرتنا وسنتنا سيرة رسول الله وسنته» للشيخ عبدالحسين الأميني.
لكننا سنسلط الأضواء على المعطيات النفسية والاجتماعية، لهذه الظاهرة المتجذرة والممتدة في المجتمع الشيعي.
فهي في البدء ربما كانت تستهدف مواجهة سياسة التعتيم من قبل السلطة الأموية، على الحادثة المرعبة التي من الطبيعي أن تثير استنكار كلّ مسلم ببشاعتها، خاصة وأنّ ضحاياها سادة الأمة وعترة نبيّها.
لكنّ العطاء الأهم لإحياء عاشوراء، هو ما ينعكس على نفوس المستحضرين لهذه الواقعة، ويؤثر في سلوكهم الفردي والاجتماعي، وهو عطاء متجدد يتجاوز عصر حدوث الواقعة وبيئتها، ويتفاعل مع كلّ العصور والبيئات الاجتماعية.
التعاطف والانجذاب لأبطال عاشوراء
إنّ وظيفة الاستحضار الدائم لعاشوراء، هي إثراء وجدان الإنسان، بالتطلع للقيم السامية، كقيمة الحرية والعدالة والكرامة والبطولة والثبات والتضحية والوفاء، تلك القيم التي جسدها الحسين وأصحابه في صور مؤثرة نقلتها أحداث عاشوراء.
وكلما استحضر الانسان تلك المواقف والصور تعزّزت في نفسه تلك القيم السامية، وتطلع لتمثلها في سلوكه.
لأنها مواقف توقظ ضمير الإنسان وتحيي وجدانه، ونذكر نموذجًا واحدًا منها: جاء في مقتل الحسين للخوارزمي (توفي: 568هـ): (خَرَجَ شابٌّ قُتِلَ أبوهُ فِي المَعرَكَةِ، وكانَت أُمُّهُ عِندَهُ، فَقالَت: يا بُنَيَّ، اخرُج فَقاتِل بَينَ يَدَيِ ابنِ رَسولِ اللَّهِ حَتّى تُقتَلَ، فَقالَ: أفعَلُ! فَقالَ الحُسَينُ
: هذا شابٌّ قُتِلَ أبوهُ، ولَعَلَّ أُمَّهُ تَكرَهُ خُروجَهُ، فَقالَ الشّابُّ: أُمّي أمَرَتني يَا بنَ رَسولِ اللَّهِ. فَخَرَجَ وهُوَ يَقولُ:
أميري حُسَينٌ ونِعمَ الأَميرُ سُرورُ فُؤادِ البَشيرِ النَّذيرِ
علي وفاطمة والداه فَهَل تَعلَمونَ لَهُ مِن نَظيرِ؟
ثُمَّ قاتَلَ فَقُتِلَ، وحُزَّ رَأسُهُ ورُمِيَ بِهِ إلى عَسكَرِ الحُسَينِ
، فَأَخَذَت أُمُّهُ رَأسَهُ وقالَت: أحسَنتَ يا بُنَيَّ! يا قُرَّةَ عَيني وسُرورَ قَلبي! ثُمَّ رَمَت بِرَأسِ ابنِها رَجُلًا فَقَتَلَتهُ، وأخَذَت عَمودَ خَيمَةٍ وحَمَلَت عَلَى القَومِ، وهِيَ تَقولُ:
أنَا عَجوزٌ فِي النِّسا ضَعيفَة بالِيَةٌ خاوِيَةٌ نَحيفَة
أضرِبُكُم بِضَربَةٍ عَنيفَة دونَ بَني فاطِمَةَ الشَّريفَة
فَضَرَبَت رَجُلَينِ فَقَتَلَتهُما، فَأَمَرَ الحُسَينُ
بِصَرفِها ودَعا لَها)[5] .
كما أنّ الأسى والحزن يعمّقان في نفس الإنسان التعاطف والانجذاب نحو من وقعت عليهم تلك المصائب والآلام، وتمثلت فيهم صور البطولة والفداء، فيصبح كلّ واحدٍ منهم أيقونة مضيئة في نفس الإنسان، تثريه بالمشاعر الإيجابية والعواطف النبيلة.
النفور من الظلم والظالمين
ومن جهة أخرى، تنمي الحساسية والنفور في نفسه تجاه الظلمة والمجرمين الذين ارتكبوا تلك الفظائع المرعبة.
وحقًا إنّ ممارساتهم الدنيئة لا يقوم بها من يملك ذرة من الإنسانية، فهذا أحدهم وهو الحصين بن تميم، شارك في قتل حبيب بن مظاهر الأسدي حيث ضربه بالسيف على رأسه فوقع، لكنّ رجلًا تميميًا آخر احتزّ رأس حبيب، فقال له الحصين: إني لشريكك في قتله، فقال الآخر: والله ما قتله غيري. فقال الحصين: أعطنيه أعلّقه في عنق فرسي، كيما يرى الناس ويعلموا أنّي شركت في قتله، ثم خذه أنت بعد فامضِ به إلى عبيد الله بن زياد، فلا حاجة لي فيما تعطاه على قتلك إياه. قال: فأبى عليه. فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فدفع إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر، قد علّقه في عنق فرسه، ثم دفعه بعد ذلك إليه، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخر رأس حبيب فعلّقه في لبان فرسه ثم أقبل به إلى ابن زياد[6] .
إنّ من يبكي حزنًا على انتهاك حرمات الله، وإيذاء أولياء الله، وعلى أيتام الحسين وآلام عيالاته، يفترض أن يتحصّن نفسيًا، وأن يرتفع مستوى المناعة عنده من الوقوع في سلوك أيّ ظلم مشابه.
عاشوراء مصدر إلهام للأحرار
ويمكن الادعاء أنه بفضل هذا الاستحضار الدائم لعاشوراء تجذّرت مسيرة النضال ضدّ الجور والظلم في تاريخ الأمة، حيث تعاقبت الثورات بعد ثورة الإمام الحسين
، وشكّل المتأثرون بعاشوراء الحسين خط المواجهة والرفض للباطل والفساد عبر العصور.
وأصبحت عاشوراء مصدر إلهام للأحرار من مختلف المذاهب والشعوب، وهذا ما يعكسه تراث الأمة الإسلامية، وتفيض به قرائح الشعراء وأقلام الأدباء.
وبمناسبة ذكرى عاشوراء هذا العام نشر أستاذ الفلسفة ومقارنة الأديان في جامعة الملك فيصل الدكتور هاني الملحم، أكاديمي من أهل السنة في الأحساء، وأسرته عريقة معروفة، قصيدة رائعة بعنوان «الحسين حكاية إنسان» من أبياتها:
روح الأئمة يا إمام تجمعت في جانحيك فأشرقت تأويلا
قد تصبح الثورات محض كوارثٍ لكن وضعت مناهجًا وأصولا
وأعدت تدوين المسار على المدى وعلى الثريا كم أنرت فصولا
سبط الرسول ويا حكاية ملهم خط الحروف فخلّدت تنزيلا
في كلّ أرضٍ صار صوتك رايةً خضراء تُرفع عزة ًوسبيلا[7]
كما نشر الدكتور إبراهيم بن سالم السيابي، أكاديمي من الإباضية في سلطنة عمان مقالة رائعة بعنوان «كربلاء.. حين تتحول الذكرى إلى رسالة» نشرتها جريدة الرؤية العمانية بتاريخ 9 محرم/24 يونيو، يعجبني أن أنقل منها الفقرة التالية:
(يأتي العاشر من محرم من كلّ عام، فتعود كربلاء إلى الذاكرة لا كحادثة طواها الزمن، بل كقصة ما زالت حية في وجدان الأمة، وكجرح قديم لم تمنحه القرون حق النسيان.
ثم جاءت كربلاء بما حملته من ألم وفقد ومشاهد لا تزال تهز القلوب بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا. رجال يسقطون واحدًا بعد آخر، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يواجهون مصيرهم بثبات نادر، ونساء يحملن من الحزن ما تعجز الكلمات عن وصفه.
ويبقى في الذاكرة ذلك المشهد الإنساني العميق؛ زينب الكبرى وهي تنظر حولها فلا تكاد ترى وجهًا من الوجوه التي أحبتها بالأمس. إخوة رحلوا، وأبناء إخوة غابوا، وبيوتٌ امتلأت بالصمت بعد أن كانت عامرة بالأحبة. في لحظات قليلة تبدل عالمها كله، وتحولت كربلاء من أرض خرجت إليها مع أهلها إلى أرض ودعت فيها أعز الناس إلى قلبها.
كان يكفي ذلك المشهد ليكسر أقوى القلوب، لكن زينب لم تسمح للحزن أن يدفن الرسالة مع أصحابها. حملت وجعها في قلبها، ومضت تكمل الطريق، وكأنها تحفظ لكربلاء صوتها، وللحسين رسالته، وللأمة معنى لا ينبغي أن يضيع)[8] .
مصادر الخطبة:
- الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، المكتب الإسلامي، بيروت، ط4، 1405هـ.
- جريدة الرؤية العمانية
- الخوارزمي، الموفق بن أحمد المکي، مقتل الحسين، انوار الهدى، قم، ط1، 1418هـ.
- الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت، ط1، 1404هـ.
- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، الأمالي، مؤسسة البعثة، قم، ط1، 1417هـ.
- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط5، 1409هـ.






