وظائف الأبوّة عند الإمام زين العابدين
جاء في رسالة الحقوق المروية عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين
: «وَأَمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ وَمُضَافُ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّكَ مَسْؤُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَعُونَةِ عَلَى طَاعَتِهِ، فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُثَابٌ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، مُعَاقَبٌ عَلَى الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ»[1] .
الأبوّة مظهر من مظاهر نعم الله العظيمة على الإنسان، أن يبلّغه الله تعالى، ليتزوجَ وينجبَ أولادًا يعمرون حياته بالمسرة، ويُثرون مشاعره الإيجابية، ويراهم امتدادًا لوجوده.
وفي الوقت ذاته هي مسؤولية كبرى يتحملها الإنسان، بأن يقوم بتنشئتهم وتربيتهم وإعدادهم إعدادًا صالحًا، فهي مهمة ليست يسيرة إذا قصّر الإنسان وأخفق فيها، فإنه يدفع لذلك ثمنًا باهظًا في الدنيا والآخرة، أما إذا أحسن القيام بها وحالفه التوفيق بالنجاح فيها، ينال سعادة الدنيا والآخرة.
وقد تناول الإمام زين العابدين علي بن الحسين
أبعاد هذه الوظيفة الإنسانية الخطيرة في عدد من النصوص المروية عنه
. أردنا تسليط الضوء على نماذج منها، بمناسبة ذكرى وفاته
، ولأننا نعيش أيام العطلة الصيفية الدراسية، وهي من تحدّيات الوظيفة التربوية للآباء والعوائل.
تذكير الآباء بالمسؤولية
في النصوص الواردة عن الإمام زين العابدين
تذكير بمسؤولية التربية للأبناء، وتأكيد على حمل همها، وانشغاله بالتفكير فيها والتخطيط لها، وبذل أقصى الجهود لأدائها، فهي من أهم الوظائف الإنسانية والواجبات الدينية، ويفترض أن تكون أولوية في حياة الإنسان، لا يُقدّم عليها أيّ مهمة أخرى.
يقول
: «وَأَمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ وَمُضَافُ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُثَابٌ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، مُعَاقَبٌ عَلَى الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ».
إنّ إدارة شؤون الأبناء ليس أمرًا شخصيًا يتصرف الإنسان فيه حسب مزاجه وانفعالاته، بل هو تكليف ومسؤولية إلهية، يترتب عليها الحساب والثواب والعقاب.
وللتأكيد على هذه المهمة والتذكير بخطورتها، يفرد الإمام
دعاءً من أدعية الصحيفة السجادية، هو الدعاء الخامس والعشرون، دعاؤه لولده، لاستحضار همّ تربية الأبناء، وطلب العون والتوفيق من الله لإنجاز هذه الوظيفة.
في هذه النصوص نجد شمولية واستحضارًا لأهم وظائف الأبوّة ومسؤولياتها.
أولًا: وظيفة التنشئة الحياتية
بتوفير ما يحتاجه الأولاد من طعام وشراب وكسوة، ورعاية صحية، وسائر الاحتياجات، وهي الوظيفة الأسهل قياسًا للوظائف الأخرى.
ويشير دعاء الإمام للاهتمام بها في قوله
: «إِلَهِي امْدُدْ لِي فِي أَعْمَارِهِمْ، وَزِدْ لِي فِي آجَالِهِمْ، وَرَبِّ لِي صَغِيرَهُمْ، وَقَوِّ لِي ضَعِيفَهُمْ، وَأَصِحَ لِي أَبْدَانَهُمْ وَأَدْيَانَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ، وَعَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي جَوَارِحِهِمْ وَفِي كُلِّ مَا عُنِيتُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَأَدْرِرْ لِي وَعَلَى يَدِي أَرْزَاقَهُمْ».
نجد في هذه الفقرة من الدعاء، همّ الرعاية الصحية الجسمية والنفسية، وهمّ توفير الاحتياجات المعيشية المادية.
وقد روي عنه
: «أَرْضَاكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَسْبَغُكُمْ عَلَى عِيَالِهِ»[2] .
ثانيًا: التربية الدينية والأخلاقية
يقول
: «وَأَنَّكَ مَسْؤُولٌ عَمَّا وَلِيتَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْمَعُونَةِ عَلَى طَاعَتِهِ».
وفي دعائه
: «وَأَصِحَ لِي أَبْدَانَهُمْ وَأَدْيَانَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ».
ومن المؤسف أنّ بعض الآباء يهمل هذا الجانب، فلا يهتم شخصيًا بتوعية أبنائه وبناته دينيًا وأخلاقيًا، ولا يحثهم ويعينهم للانفتاح على الأجواء التي تفيدهم على هذا الصعيد.
وقد رُوِيَ عَنِ رسول الله
: أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى بَعْضِ الْأَطْفَالِ فَقَالَ: «وَيْلٌ لِأَوْلاَدِ آخِرِ اَلزَّمَانِ مِنْ آبَائِهِمْ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اَلله: مِنْ آبَائِهِمُ اَلْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ
: «لَا، مِنْ آبَائِهِمُ اَلْمُؤْمِنِينَ، لاَ يُعَلِّمُونَهُمْ شَيْئًا مِنَ اَلْفَرَائِضِ، وَإِذَا تَعَلَّمُوا أَوْلاَدُهُمْ مَنَعُوهُمْ، وَرَضُوا عَنْهُمْ بِعَرَضٍ يَسِيرٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَأَنَا مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَهُمْ مِنِّي بِرَاءٌ»[3] .
ثالثًا: الرعاية النفسية
يقول
: «وَعَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي جَوَارِحِهِمْ» وقد خصص نصًّا في رسالة الحقوق للتأكيد على الرعاية النفسية والعاطفية للأبناء في بداية نشأتهم يقول
: «وَأَما حَقُّ الصَّغِيرِ فَرَحْمَتُهُ وتَثْقِيفُهُ وتَعْلِيمُهُ، وَالعَفْوُ عَنْهُ وَالسِّتْرُ عَلَيْهِ، وَالرِّفْقُ بِهِ وَالْمَعُونَةُ لَهُ، وَالسِّتْرُ عَلَى جَرَائِر حَدَاثَتِهِ فَإِنَّهُ سَبَبُ لِلتَّوْبَةِ، وَالْمُدَارَاةُ لَهُ وَتَرْكُ مُمَا حَكَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدنى لِرُشْدِهِ»[4] .
رابعًا: تعزيز العلاقة بين الولد والوالدين
يقول
في دعائه: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ بِهِمْ عَضُدِي، وَأَقِمْ بِهِمْ أَوَدِي، وَكَثَّرْ بِهِمْ عَدَدِي، وزَيِّنَ بِهِمْ مَحْضَرِي، وَأَحْيِ بِهِمْ ذِكْرِي، وَاكْفِنِي بِهِمْ في غَيْبَتِي، وَأَعِنِّي بِهِمْ عَلَى حَاجَتِي، وَاجْعَلْهُمْ لِي مُحِبِّينَ، وعَلَيَّ حَدِبِينَ مُقْبِلِينَ مُسْتَقِيمِينَ لِي، مُطِيعِينَ، غَيْرَ عَاصِينَ ولا عَاقِّينَ وَلَا مُخَالِفِينَ وَلَا خَاطِئِينَ»[5] .
وتشير نصوص دينية إلى أنّ على الأب أن يتعامل مع أبنائه بطريقة ودية مرنة، ليكون ذلك حافزًا لهم على بره، ورد عَنْ يُونُسَ بْنِ رِبَاطٍ عَنْ الإمام جعفر الصادق ( ع) قَالَ: «قَالَ رَسُولُ الله (ص): رَحِمَ الله مَنْ أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ، قَالَ قُلْتُ: كَيْفَ يُعِينُهُ عَلَى بِرِّهِ؟ قَالَ: يَقْبَلُ مَيْسُورَهُ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ مَعْسُورِهِ، وَلَا يُرْهِقُهُ، وَلَا يَخْرَقُ بِهِ[6] »[7] .
وورد عنه
أنه قال لعلي
: «يَا عَلِيُّ، لَعَنَ الله وَالِدَيْنِ حَمَلَا وَلَدَهُمَا عَلَى عُقُوقِهِمَا[8] ، يَا عَلِيُّ، رَحِمَ الله وَالِدَيْنِ حَمَلَا وَلَدَهُمَا عَلَى بِرِّهِمَا»[9] .
العطلة الصيفية فرص وتحدّيات
تمثل العطلة الصيفة فرصة مهمة للطلاب والطالبات لتجديد الحيوية والنشاط، والاهتمام ببعض الجوانب في بناء شخصياتهم وتنمية مواهبهم، وتعزيز ثقافتهم الذاتية، وتوسيع علاقاتهم الاجتماعية، والانخراط في العمل التطوعي. لكنّ ذلك يتطلب تخطيطًا واعيًا من الأسرة وتكاملًا في الأدوار والجهود بين مختلف المؤسسات المجتمعية.
إنّ ذلك يوجب على كلّ أب وعائلة والجهات الواعية في المجتمع، الاهتمام في التفكير والتخطيط، ووضع البرامج المفيدة للأبناء والبنات في العطلة الصيفية.
فعلى مستوى العائلة، يجب على الوالدين منح وقت أطول في الانفتاح على أبنائهم والتواصل معهم، وتنظيم برامج وأنشطة مشتركة، داخل المنزل وخارجه كالزيارات والرحلات، بما يُعزّز الروابط الأسرية ويثري خبراتهم الحياتية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يجب تنشيط دور الجمعيات والأندية والمساجد والمؤسسات الثقافية والاجتماعية وشركات القطاع الخاص، لإطلاق برامج جاذبة تستوعب الشباب والفتيات في العطلة الصيفية، وتوفر لهم بيئات آمنة، لحمايتهم من السلبيات والمخاطر السلوكية والفكرية، ولإفادتهم بتطوير قدراتهم ومواهبهم، وتشجيع هواياتهم الإيجابية.
ويحذّر كثير من المهتمين بالشأن التربوي والاجتماعي من عدم التخطيط النافع لقضاء العطلة الصيفية، وترك الأبناء يعيشون الفراغ، أو يتعرضون للسلبيات والأخطار التي تتهدّد نفوسهم وسلوكهم، مثل الشعور بالملل والضجر المؤذي لنفسية الابن والبنت، والتعود على اللامبالاة بالوقت والنظام في الحياة، في النوم والطعام والنظافة وسائر الشؤون. والوقوع في الإدمان الرقمي والاستغراق في استخدام الشاشات والأجهزة الإلكترونية، واكتساب بعض العادات الضارة والصداقات المنحرفة التي قد توقع البعض في المفاسد الأخلاقية.
إنّ عدم التفكير والتخطيط لاستثمار وقت الفراغ في العطلة الصيفية، قد يحوّلها من مبعث راحة وتجديد نشاط إلى مصدر كآبة وملل، ومن فرصة تنمية وبناء للذات إلى أرضية سوء تُنبت المفاسد والأشواك.
إنّ استثمار العطلة الصيفية في التربية والتأهيل وبناء الشخصية يُعدّ من أهم صور الوفاء بمسؤولية الأبوّة، وأنّ نجاح الأسرة في هذه المهمة ينعكس على استقرار المجتمع ومستقبل أجياله.
مصادر الخطبة:
- السبزواري، الشيخ محمد بن محمد، جامع الأخبار، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت، ط1، 1413هـ.
- الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.
- الصفار، حسن (إعداد وتقديم)، صحيفة زين العابدين الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
، أطياف للنشر والتوزيع، القطيف، ط2، 2024م. - الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
- المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.






