النفس الكبيرة
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسِ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
بِذِي قَارٍ وهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَه، فَقَالَ لِي: «مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟»، فَقُلْتُ: لَا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ
: «واللهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ، إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقًّا أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا»[1] .
نقصد بالنفس هنا جهة الإدراك والشعور التي تنطلق منها قرارات الإنسان ومواقفه في هذه الحياة.
وهي تكون كبيرة حين تحلّق في أفق القيم ومعالي الأخلاق، وتكون صغيرة حين تحكمها الرغبات والمصالح الآنية الضيقة.
النفس الكبيرة تدفع صاحبها نحو الطموحات العالية، بينما يكتفي صاحب النفس الصغيرة بأدنى طموح.
النفس الكبيرة تتسامى على المكاسب الدنيوية مهما كان حجمها، إذا اصطدمت بالقيم والمبادئ، بينما يتخلى صغير النفس عن أيّ قيمة ومبدأ لإحراز أقلّ مكسب.
النفس الكبيرة تستوعب أخطاء الآخرين، وتترفع عن دخول الصراعات والنزاعات التي يخوضها ذوو النفوس الصغيرة.
النفس الكبيرة تستنهض القدرات في ذات صاحبها وتدفعه إلى بذل أقصى الجهود، بينما يميل صغار النفوس إلى الدعة والراحة والخمول.
قال المتنبي:
وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِبارًا تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ
أفضل نموذج للنفس الكبيرة
وحين نقرأ شيئًا من سيرة علي بن أبي طالب الذي نحتفي بذكرى غديره المبارك، ونتأمل بعض ملامح شخصيته، يتجلى لنا أفضل نموذج للنفس الكبيرة التي ينبغي أن تستلهم منها الأجيال.
إنه لا يرى الدنيا كلّها تستحق أن يُدنّس من أجلها سيرته بأدنى معصية، يقول
: «واللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ[2] شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُه»[3] .
وحين يتنافس الآخرون على مقام السلطة والزعامة يراها علي
أقلّ قيمة من نعل معابة تحتاج إلى إصلاح، كما يروي عبدالله بن عباس: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليٍّ
بِذِي قَارٍ وهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَه، فَقَالَ لِي: «مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟»، فَقُلْتُ: لَا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ
: «واللهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ، إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقًّا أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا»[4] .
تُصرف عنه الخلافة وهو الأحقّ بها، وكان يمتلك الشجاعة للدفاع عن حقه، لكنه يعزف عن ذلك مراعاةً لمصلحة الرسالة ووحدة الأمة.
يقول
: «لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي، ووَاللهِ لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتِمَاسًا لأَجْرِ ذَلِكَ وفَضْلِه، وزُهْدًا فِيمَا تَنَافَسْتُمُوه مِنْ زُخْرُفِه وزِبْرِجِه»[5] .
وتُعرض عليه الخلافة بعد مقتل الخليفة عمر مع شرط قبوله بالالتزام بسيرة من سبقه، فيرفض ذلك الشرط، ولو بمجرد إظهار القبول، وتُزوى عنه الخلافة.
قال له عبدالرحمن بن عوف: «أبايعك على كتاب الله وسنّة رسول الله وسيرة الشيخين، أبي بكر وعمر. فقال
: بل على كتاب الله وسنّة رسوله واجتهاد رأيي، فعدل عنه إلى عثمان فعرض ذلك عليه، فقال: نعم، فعاد إلى علي
فأعاد قوله، فعل ذلك عبد الرحمن ثلاثًا، فلما رأى أنّ عليًّا غير راجع عما قاله، وأنّ عثمانَ ينعم له بالإجابة[6] صفّق على يد عثمان[7] وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين»[8] .
وقد علق على هذا الموقف الدكتور إسماعيل الشطي من رواد الحركة الإسلامية في الكويت، مشيرًا إلى نقطة مهمة، حيث قال ضمن مقال له: (ولقد كاد الجيل الأول من المسلمين رضوان الله عليهم، أن يجعل من تجربته السياسية والتنظيمية في إدارة الدولة جزءًا من الشريعة، لولا تصدي الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، لمثل هذه المحاولة، وكلفه هذا التصدي التضحية بمنصب الخلافة، في أول عرض لتوليها، عندما رفض الالتزام بتجربة الشيخين بعد كتاب الله وسنة نبيه، إذ كان تقييمه لهذه التجربة لا يعدو كونها اجتهادًا بشريًا، يسع من بعدهم، ويتسع لآفاق المستقبل السحيق. وبتضحيته هذه، أوقف الإمام -كرّم الله وجهه- زحف الثابت من الدين إلى حدود تلك المساحات)[9] .
الترفّع عن الإساءات
يسبّه أحد مناوئيه ويكفره، فيرفض معاقبته، جاء في نهج البلاغة أَنَّه
كَانَ جَالِسًا فِي أَصْحَابِه، فَمَرَّتْ بِهِمُ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ فَرَمَقَهَا الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقَالَ
: «إِنَّ أَبْصَارَ هَذِه الْفُحُولِ طَوَامِحُ[10] وإِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هِبَابِهَا[11] ، فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَةٍ تُعْجِبُه فَلْيُلَامِسْ أَهْلَه، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَتِه».
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ: قَاتَلَه اللهُ كَافِرًا مَا أَفْقَهَه، فَوَثَبَ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوه، فَقَالَ
: «رُوَيْدًا إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ»[12] .
يدخل على عائشة متفقدًا لأحوالها بعد حربٍ ضروس شنتها ضدّه، فيما عُرف بحرب الجمل، فتتصايح نسوة عندها بسبه وشتمه، (يَا قَاتِلَ الأَحِبَّةِ، يَا مُفَرِّقَ الْجَمْعِ، أَيْتَمَ اللهُ بَنِيكَ مِنْكَ)، فيمنع أصحابه من أيّ إساءة لهنّ، ويقول: «لا تُهَيِّجَنَّ امْرَأَةً بِأَذًى، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وسفَّهْن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضِعَافٌ»[13] .
يُثير عليه بعض مناوئيه من الخوارج اللغط في المسجد، وهو يخطب في المسلمين، لاستفزازه هاتفًا: لا حكم إلّا لله، فيسكت عليٌّ، فيقوم آخر وآخر فلما أكثروا، قال
: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ، لَكُمْ عِنْدَنَا ثَلَاثُ خِصَالٍ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ تُصَلُّوا فِيهَا، وَلَا نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا كَانَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَ أَيْدِينَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِحَرْبٍ حَتَّى تَبْدَؤُونَا بِهِ»[14] .
هل يحدّثنا التاريخ عن نفس أكبر من هذه النفس؟
الاستلهام من سيرة علي وهديه
إنّ علينا أن نستلهم من سيرة عليٍّ ما يحفّزنا للتسامي بنفوسنا إلى آفاق القيم الأخلاقية العالية، في تعاملنا مع الحياة ومع الناس من حولنا.
وعلينا أن نتتلمذ على كلمات عليٍّ وتوجيهاته، وهي تدفعنا إلى الحرص على كرامة نفوسنا. وألّا نقبل لها التسافل إلى حضيض الأنانية المفرطة، والانقياد للشهوات والرغبات.
فقد ورد عنه
: «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ لَمْ يُهِنْهَا بِالْمَعْصِيَةِ»[15] .
وعنه
: «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ»[16] .
ويُعلّمنا عليٌّ
أنّ النفس الكبيرة الكريمة تتجنب الاستجابة للاستفزازات والخوض في الصراعات، يقول
: «مَنْ كَرُمَتْ نَفْسُهُ قَلَّ شِقَاقُهُ وَخِلاَفُهُ»[17] .
كما يعلمنا عليٌّ
الثبات والصمود النفسي أمام المشاكل والتحديات، يقول
: «اَلنَّفْسُ اَلْكَرِيمَةُ لاَ تُؤَثِّرُ فِيهَا اَلنَّكَبَاتُ»[18] .
إنّ التمسك بولاية عليٍّ والاحتفاء بذكرى تنصيبه في غدير خم، يعني تجديد العهد باتباعه والاقتداء به، جعلنا الله وإيّاكم من المتمسكين بولايته والمقتدين بسيرته.
مصادر الخطبة:
1- ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، 1407ﻫ.
2- الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، دار الهادي، بيروت، الطبعة الأولى، 1413هـ.
3- التميمي، القاضي النعمان بن محمد، دعائم الإسلام، مؤسسة النور للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1426هـ.
4- الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.
5- صحيفة الشرق الأوسط، 7 يونيو 1998م، العدد 7131.
6- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الخامسة، 1409هـ.






