التحيّز في تقويم الآخرين
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 152].
حديث الإنسان عن الآخرين، حين يكون تقويمًا لشخصياتهم وحكمًا على أعمالهم ومواقفهم، يجب أن يكون ضمن دائرة العدل والإنصاف، سواءٌ كان في الاتجاه الإيجابي أو السلبي.
نشير هنا إلى أنّ لفظ "تقويم" في اللغة العربية، يستخدم للدلالة على معنيين: الأول: إصلاح الخلل وتصحيح الاعوجاج، والمعنى الثاني: تقدير قيمة الشيء وتثمينه، وهو المعنى الذي نقصده في هذا الموضوع.
وقد شاع في العصر الأخير استخدام لفظ "تقييم" بالياء لهذا المعنى الثاني، وهذا لم يرد في لغة العرب قديمًا، ولا في المعاجم العربية، لكنّ مجمع اللغة العربية في القاهرة، أجاز هذا الاستعمال في دورته الرابعة والثلاثين سنة 1968م، للمساعدة في التفريق بين المعنيين، فيستعمل "تقويم" للإصلاح والتصحيح، و"تقييم" للتثمين وتحديد القيمة.
التقويم من منطلق العاطفة أو المصلحة
لا يصح أن ينطلق الإنسان في تقويمه للآخرين وحديثه عنهم من منطلق العاطفة أو المصلحة، لأنّ فلانًا من أقربائه، أو من جماعته، أو له مصلحة منه، فيشهد له بغير الحق، أو لأنّ فلانًا من أُسرة أخرى، أو من جماعة مختلفة، أو لديه خصومة معه، فيجرح شخصيته أو يبخسه حقه.
إنّ ذلك ظلم منهي عنه ومناقض للعدل، وعادة ما يقع فيه كثير من الناس، كما يعبّر عنه المثل الشعبي: «حب وقول وأبغض وقول».
إنّ النفس البشرية كثيرًا ما تنجرف نحو التحيّز، فتميل إلى تضخيم حسنات من تحب، والتغاضي عن أخطائهم، وفي المقابل تتشدد مع من تختلف معهم، فتجعل من أخطائهم الصغيرة قضايا كبرى، وتتجاهل ما لديهم من إيجابيات ومزايا.
ورد عن أمير المؤمنين علي
: «قَلَّ مَا يُنْصِفُ اللِّسانُ في نَشْرِ قَبيحٍ أَوْ إِحْسانٍ»[1] .
وقد وضع القرآن الكريم قاعدة أخلاقية عظيمة تضبط هذا السلوك، هي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ فلا يصح أن تدفعكم القرابة، لقول متحيّز في أحدٍ سلبًا أو إيجابًا؛ لأنّ العدالة لا تتجزأ، ولا ينبغي أن تتبدل بتبدل العلاقات والمصالح. إنها من أهم الوصايا التي يوصي الله تعالى بها عباده، وعليهم أن يستحضروها ويستذكروها دائمًا وأبدًا ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
إنّ كثيرًا من الأزمات الاجتماعية والفكرية، تنشأ من الأحكام المتحيّزة التي يصدرها الناس بدافع العاطفة أو العصبية، أو المصالح الخاصة، بعيدًا عن الحقّ والعدل.
منطق الجاهلية
كان التعصب القبلي سائدًا في المجتمع الجاهلي، وبمقتضاه كان كلّ فرد من القبيلة يرى أفضلية أفراد قبيلته على الآخرين، حتى لو كان الآخرون أكثر كفاءة ومكانة وعلمًا، ما دام هذا الفرد من أبناء قبيلتي، فهو أفضل من كل فرد من أفراد القبائل الأخرى.
ولما خرج مسيلمة وادّعى النبوة جاءه واحد من شيوخ قبيلته، وقال له: أَنْتَ مُسَيْلِمَةُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ يأتيك؟ قال: رجس[2] ، قَالَ: أَفِي نُورٍ أَمْ فِي ظُلْمَةٍ؟ فَقَالَ: فِي ظُلْمَةٍ، فَقَالَ أَشْهَدُ أنَّك كذَّاب وإنَّ محمَّدًا صَادِقٌ، وَلَكِنْ كذَّاب رَبِيعَةَ أحبُّ إِلَيْنَا مِنْ صَادَقِ مُضَرَ[3] .
وورد عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين
: «الْعَصَبِيَّةُ الَّتِي يَأْثَمُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا، أَنْ يَرَى الرَّجُلُ شِرَارَ قَوْمِهِ خَيْرًا مِنْ خِيَارِ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبُّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ»[4] .
الإسلام دعوة إلى العدل والإنصاف
جاء الإسلام ليغيّر ذلك السلوك الجاهلي الخطأ، وليهذّب النفوس، ويربّيها على مراعاة الحقّ والعدل في المواقف والتعامل مع القريب والبعيد، والقوي والضعيف. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [سورة النساء، الآية: 135].
حتى لو كان هناك خلاف أو خصومة مع جهة من الجهات، أو جماعة من الجماعات، فإنّ ذلك لا يبرر انتهاك حقوقهم، أو تجاوز حدود العدل في التعامل معهم، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة، الآية: 8].
إنّ كثيرًا من الناس يتورطون في التحيّز الإيجابي لمن يحبّون أو يرتبطون به، فيدافعون عنه ولو كان على خطأ، ويعطونه ما ليس له وما لا يستحقه.
وهناك من يتورطون في التحيّز السلبي، ضدّ من يكرهون، أو يختلفون معه في رأي أو موقف. وهذا هو الامتحان لتقوى الإنسان وعدالته.
إنّ حديث الإنسان عن الآخرين، سواءً كان مدحًا أو ذمًّا، يمثل مسؤولية أخلاقية ودينية كبيرة، لأنّ الكلمة قد ترفع إنسانًا بغير حق، وقد تظلم آخر وتسلبه مكانته وحقوقه المادية أو المعنوية.
شواهد في الحياة الاجتماعية
إنّ التحيّز لا يقتصر على المجتمعات التقليدية، بل يتكرر اليوم في صور متعددة داخل الحياة الاجتماعية والثقافية والإدارية.
ونجد شواهد لهذا التحيّز الإيجابي أو السلبي في تقويم الآخرين، في كثير من الموارد والمواقف.
نرى ذلك في الاختلافات المذهبية والفكرية والفئوية والخلافات الشخصية.
مرةً نُشر مقال نسب إلى شخص، فأشاد بالمقال مؤيدوه، ثم لما تبيّن أنه لشخص آخر من اتجاه مخالف، انهالوا على المقال بمقولات الرفض والتنديد.
وقد نجد في بعض المؤسسات والدوائر الوظيفية، من يتعامل مع موظفيه بناءً على تحيّزه الخطأ في التقويم الإيجابي أو السلبي، فإذا كان الموظف من قبيلته أو جماعته، أو له علاقة وديّة به، يكتب عنه تقويمًا ممتازًا، يغضّ الطرف عن قصوره وتقصيره، ويحسب له نقاطًا لا يستحقها، ويطالب بترقيته، أمّا إذا كان من غير قبيلته أو جماعته، أو لا يتفق معه مزاجيًا، يبخسه حقه في التقويم، ويحجب عنه المكافآت والترقيات، وهو ما يضر بمبدأ تكافؤ الفرص، ويزرع الشعور بالظلم والإحباط داخل المجتمع.
ويحدث مثل ذلك على صعيد العلاقات العائلية الزوجية، فحينما يحدث خلاف بين الزوجين، قد يتنكر أحدهما لأيّ إيجابية في الطرف الآخر، ويبالغ في نقاط ضعفه، ويتحولان إلى محاكم قاسية تنكر كلّ سنوات العشرة، والإيجابيات السابقة، فلا يرون إلّا الأخطاء والسلبيات.
وقد ورد في حديث عن رسول الله
أنه وصف شريحة من النساء بقوله: «لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ»[5] .
إنّ العدل مبدأ أساس، لا يستقيم إيمان الإنسان ولا تتكامل أخلاقه، بدون الالتزام بالعدل، في تعامله مع الناس القريبين والبعيدين، على مستوى العمل والقول، وهو محاسب أمام الله تعالى على أقواله كما هو محاسب على أفعاله، يقول تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق، الآية: 18].
والانحراف في القول قد يكون أخطر من كثير من الأخطاء العملية.
وحينما سأل معاذ بن جبل رسول الله
قائلًا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ
: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟»[6] .
إنّ التقوى الحقيقية تتجلى في قدرة الإنسان على أن يكون عادلًا مع من يحب ومع من يكره، ومع من يتفق معه ومن يختلف عنه، لأنّ العدل وقت الخصومة أصعب وأصدق من العدل في أوقات الرضا.
مصادر الخطبة:
- ابن كثير، إسماعيل، البداية والنهاية، دار ابن كثير، دمشق، ط6، 2021م
- الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الكلم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
- البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1999م.
- الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1421ﻫ.
- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط5، 1409هـ
- الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ






