عبادة التفكير عند الإمام الرضا

 

جاء في كتاب الكافي بسند صحيح عن الإمام علي بن موسى الرضا أنه قال: «لَيْسَ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»[1] .

التفكير أهم وظيفة ونشاط للعقل، وهو النعمة الكبرى التي منحها الله تعالى للإنسان، وميّزه بها على سائر المخلوقات.

ومن أوضح تعريفات التفكير أنه مجموعة من العمليات العقلية التي تحدث في مخ الإنسان ويتم فيها توظيف المهارات الذهنية للوصول إلى حقيقة شيءٍ ما[2] .

التفكير ودوره الأساس

تصل إلى ذهن الإنسان معلومات كثيرة عبر مختلف المصادر، وبالتفكير يستطيع تقويمها وفرز الصحيح من الخطأ فيها.

وبالتفكير يدرك الإنسان العلاقة بين الأشياء والأحداث والمعلومات التي يطّلع عليها.

وبالتفكير يسعى الإنسان إلى إدراك الحقائق وحلّ المشكلات، ومواجهة التحديات التي تستقبله في مختلف مجالات الحياة.

وبمقدار ما يمارس الإنسان التفكير يستفيد من عقله، ويهتدي إلى الحقائق، ويستثمر خيرات الكون، ويطوّر حياته.

لذلك تؤكد الآيات القرآنية الكثيرة على الأمر بالتفكير، والتوجيه إلى استخدام العقل والاستنارة به، حيث تكرّر في الآيات الكريمة، مثل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

العبادة الأهم

وانطلاقًا من هذا التوجيه الإلهي، فإنّ الإمام علي بن موسى الرضا يتحدث عن التفكير كعبادة لله تعالى، لأنّ ممارسته تمثل استجابة لأمر الله تعالى، بل يرى الإمام الرضا أنّ التفكير هو العبادة الأساس والأهم، قياسًا إلى سائر العبادات كالصلاة والصوم، فيقول كما جاء في كتاب الكافي بسند صحيح عنه : «لَيْسَ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»[3] . وأمر الله يتمثّل في سننه في الكون والحياة ورسالته لهداية البشر.

فالتفكير هو الذي يقود الإنسان إلى الإيمان بالله ومعرفة سننه في الكون والحياة، وإلى الإيمان بالأنبياء، ومعرفة الشرائع الإلهية.

وحين يؤكد الإمام علي بن موسى الرضا على أهمية استمرارية التفكير، كاستمرارية العبادات الأخرى مثل الصلاة والصوم، لأنّ مهارات التفكير عند الإنسان تقوى وتزداد كفاءتها بالممارسة، بينما تضعف وتصاب بالضمور إذا أهملت، تمامًا كما هو شأن العضلات في جسم الإنسان، فكلّ الناس يمتلكون القدرات العقلية ومهارات التفكير، وإنما يتميّز بعضهم بالقوة فيها بسبب المزيد من الممارسة.

لذلك نجد كثافة في النصوص الواردة عن الإمام الرضا وعن سائر الأئمة التي تحث على التفكير، وتؤكد قيمة العقل وأهمية استخدامه والاستفادة منه.

مركزية العقل في مدرسة أهل البيت

مما يلفت النظر أنّ الموسوعات الحديثية الشاملة في مدرسة أتباع أهل البيت تجعل أول كتاب فيها عن العقل والجهل، أي إنها تستحضر النصوص التي تؤكد على قيمة العقل وأهميته ومركزيته، لتكون المنطلق في التعامل مع سائر النصوص والأحاديث الواردة، ثم تأتي بعدها الكتب التي تجمع الأحاديث الأخرى، عن الإيمان والمعتقدات والأحكام والآداب، فأول وأهم مصدر حديثي عند الشيعة هو كتاب الكافي، يقول مؤلفه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت: 329هـ): (وأول ما أبدأ به وأفتتح به كتابي هذا، كتاب العقل، وفضائل العلم، وارتفاع درجة أهله، وعلو قدرهم، ونقص الجهل، وخساسة أهله، وسقوط منزلتهم، إذ كان العقل هو القطب الذي عليه المدار، وبه يُحتج وله الثواب، وعليه العقاب)[4] .

وأشهر موسوعة حديثية شيعية في العصور المتأخرة هي «بحار الأنوار» للشيخ محمد باقر المجلسي (ت: 1110هـ)، سلكت نفس النهج، فأول كتاب فيها «كتاب العقل والعلم والجهل».

بينما يبدأ المصدر الأساس للحديث عند أهل السنة (صحيح البخاري) بكتاب بدئ الوحي، ثم كتاب الإيمان، كما أنّ قرينه (صحيح مسلم) هو الآخر يبدأ بكتاب الإيمان، ولم يُفردا كتابًا عن العقل في صحيحيهما.

مجالات الاستفادة من العقل

يشير الإمام علي بن موسى الرضا إلى قيمة العقل، بقوله في رواية وردت في الكافي بسند صحيح: «الْعَقْلُ حِبَاءُ مِنْ اللَّهِ»[5] .

أي إنه عطية ومنحة من الله تعالى ميّز بها الإنسان.

جاء في (لسان العرب): الحِباء: ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به.

كما يشير في نصٍّ آخر إلى أهمية العقل في حياة الإنسان بقوله: «صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ، وَعَدُوُّهُ جَهْلُهُ»[6] .

ووردت عنه روايات حول بعض مجالات الاستفادة من العقل في الحياة، ومن أهم تلك المجالات، تفكير الإنسان وتأمله في نفسه، ليدرك عظمة خالقه، وليعرف نقاط القوة والضعف في ذاته، وليحدد مسار حياته، فقد جاء عنه : «أَفْضَلُ الْعَقْلِ مَعْرِفَةُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ»[7] .

وعنه : «التَّفكُّرُ مِرْآتُكَ، تُرِيكَ سَيِّئَاتِكَ وَحَسَنَاتِكَ»[8] .

فعبر التفكير يتم تقويم الإنسان لشخصيته وسلوكه، فلا يكون مسترسلًا في مسار حياته دون مراجعة ونظر في أدائه وطبيعة ممارساته ومواقفه.

وفي المجال الاجتماعي، فإنّ العقل يرشد الإنسان إلى صنع العلاقات الطيبة مع الآخرين، ورد عنه : «التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ»[9] .

وفي رواية أخرى عنه قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ، وَاصْطِنَاعُ الْخَيْرِ إِلَى كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ»[10] .

دور العقل في المجال الديني

يشير الإمام الرضا إلى أنّ العقل يجب أن يكون هو الأساس في الاتجاه الديني للإنسان، وعن طريقه يكتشف المسار الديني الصحيح، حيث تتعدد الأديان والمذاهب والاتجاهات. فقد سأله ابن السكيت: ما الحجة على الخلق اليوم؟ فأجاب : «الْعَقْلُ يُعْرَفُ بِهِ الصَّادِقُ عَلَى اللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ، وَالْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ فَيُكَذِّبُهُ»[11] .

وعلى الإنسان أن يستخدم عقله في فهم النصوص الدينية والأحاديث المروية، ولا يكتفي بحفظ الحديث وروايته دون فهم وتعقل، جاء عنه أنه قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كُونُوا دُرَاةً وَلَا تَكُونُوا رُوَاةً، حَدِيثٌ تَعْرِفُونَ فِقْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ تَرْوُونَهُ»[12] .

ويرى الإمام علي الرضا أنه لا قيمة للتديّن إذا لم يكن نابعًا من تعقل وتفكير. روى الحسن بن الجهم، عن الإمام الرضا، قال: ذُكِرَ عِنْدَهُ أَصْحَابُنَا، وَذُكِرَ الْعَقْلُ، فَقَالَ : «لَا يُعْبَأُ بِأَهْلِ الدِّينِ مِمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ». قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ مِمَّنْ يَصِفُ هَذَا الْأَمْرَ قَوْمًا لَا بَأْسَ بِهِمْ عِنْدَنَا، وَلَيْسَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْعُقُولُ! فَقَالَ : «لَيْسَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ خَاطَبَ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَقْلَ فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، وَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْكَ وَأَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي»[13] .

فمن ينتسب إلى الدين ويحمل شعاره وعنوانه، ويمارس عباداته وطقوسه، لكنه غير مستخدم لعقله ولا مستثمر لفكره، فإنّ تديّنه سيكون مبتورًا ناقصًا، بل مشوها قاتمًا. فقد أثنى قَومٌ عَلى رَجُلٍ عند رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى ذَكَرُوا جَمِيعَ خِصَالِ الخَيْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : «كَيفَ عَقلُ الرَّجُلِ؟» فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، نُخبِرُكَ عَنهُ بِاجْتِهَادِهِ فِي العبادة وأصنافِ الخَيْرِ، تَسأَلُنا عَن عَقلِهِ؟! فَقَالَ : «إِنَّ الأَحْمَقَ يُصِيبُ بِحمقِهِ أَعظَمَ مِن فُجور الفاجِرِ، وإِنَّما يَرْتَفِعُ العِبَادُ غَدًا فِي الدَّرَجَاتِ ويَنالُونَ الزُّلفى مِن رَبِّهِم عَلَى قَدرِ عُقولِهِم»[14] .

وفي حديث آخر يحذّرنا رسول الله من الاغترار بمظاهر التديّن عند أيّ إنسان إذا لم نتأكد من تعقله؛ لأنّ التعقل هو مقياس التديّن وميزان التقويم، يقول فيما روي عنه : «إِذَا بَلَغَكُم عَن رَجُلٍ حُسنُ حَالٍ فَانظُروا في حُسنِ عَقلِهِ، فَإِنَّمَا يُجازي بِعَقلِهِ»[15] .

وتطبيقًا لهذا التوجيه النبوي، جاءت الرواية التالية عن الإمام جعفر الصادق : قال سُلَيمانُ الدَّيلَمِيُّ: قُلتُ لِأَبِي عَبْدِاللَّهِ : فُلانٌ مِن عِبادَتِهِ ودينه وفَضْلِهِ، فَقالَ: «كَيْفَ عَقَلُهُ؟» قُلتُ: لا أدري، فَقَالَ : «إِنَّ الثَّوابَ عَلَى قَدرِ العَقلِ»[16] .

الحذر من الكسل الفكري

مع التطور الكبير في عالم الذكاء الاصطناعي، يواجه الإنسان المعاصر تحدّي التقاعس والكسل الفكري، والاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، ككتابة الأبحاث والتقارير والرسائل، وطلب الحلول الجاهزة للمشكلات.

تشير بعض الاستطلاعات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أنّ نحو ثلث المتزوجين (33%) قد يلجؤون للذكاء الاصطناعي قبل أن يتحدثوا مع شريك حياتهم عن مشاكلهم[17] .

وبعض الناس صاروا يستفتون الآلة الخوارزمية في القضايا الدينية، وقد جاء في دراسة جامعية نُشرت في تركيا عام 2025م تتناول مدى توافق محتوى الإجابات الدينية حول شؤون الأسرة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، مع فتاوى المجلس الأعلى للشؤون الدينية في تركيا، فتبيّن أنّ 63% من الإجابات متوافقة، و20% متوافقة جزئيًا، و16.7% مخالفة كليًا[18] .

إنّ الاستفادة من الذكاء الاصطناعي أمر جيّد، ولكن ليس خارج دائرة التفكير والبحث الصحيح.

وفي الختام، إنّ خير فائدة نكسبها وخير هدية نأخذها من ذكرى الإمام علي بن موسى الرضا ، أن نهتدي بتوجيهه في تنشيط دور عقولنا، وممارسة التفكير السليم في شؤون ديننا ودنيانا، وألّا نصاب بحالة الكسل الفكري ونعتمد على الآخرين ليفكروا نيابة عنّا، إلّا في إطار الرجوع إلى أهل الاختصاص في مجال اختصاصهم، كالفقهاء والأطباء والمهندسين والمحامين، مع اليقظة والوعي، فقد يخطئ المختص لسبب أو لآخر.

وعلينا أن نستحضر مقولة الإمام الرضا دائمًا وأبدًا: «إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ».

مصادر الخطبة:
  1. www.marriage.com
  2. www.researchgate.net
  3. الأصبهاني، الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله، تاريخ أصبهان (أخبار أصبهان)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ.
  4. الحراني، الشيخ الحسن بن عليّ بن شُعبة، تحف العقول، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط6، 1417هـ.
  5. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت، ط1، 1404هـ.
  6. الفضلي، د. صلاح، فن التفكير، دار روافد، بيروت، ط1، 2017م.
  7. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
  8. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.

 

 

خطبة الجمعة 14 ذو القعدة 1447هـ الموافق 1 مايو 2026م.

[1]  الكافي، ج2، ص55، ح4.
[2]  فن التفكير، ص19.
[3]  الكافي، ج2، ص55، ح4.
[4]  الكافي، ج1، ص9.
[5]  الكافي، ج1، ص24، ح18.
[6]  الكافي، ج1، ص11، ح4.
[7]  بحار الأنوار، ج75، ص352، ح9.
[8]  بحار الأنوار، ج76، ص327، ح19.
[9]  بحار الأنوار، ج71، ص293.
[10]  عيون أخبار الرضا، ج2، ص35.
[11]  الكافي، ج1، ص25، ح20.
[12]  تاريخ أصبهان، ج1، ص174، ح173.
[13]  الكافي، ج1، ص27، ح32.
[14]  تحف العقول، ص65.
[15]  الكافي، ج1، ص12، ح9.
[16]  الكافي، ج1، ص12، ح8.
[17]  https://www.marriage.com/advice/research/ai-relationship-confessions/
[18]  https://www.researchgate.net/publication/396446090