زواج الأقارب بين الإيجابيات والسلبيات

 

يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [سورة الفرقان، الآية: 54].

يتحدث القرآن الكريم في كثير من آياته عن النعم التي أفاضها الله تعالى على الإنسان، في مختلف المجالات والأبعاد، ليوجهه إلى التفكير في معرفة ربه وشكر نعمه، وإلى الاستفادة المثلى من النعم الإلهية.

ومن تلك النعم، إثراء مشاعر العلاقة بين أفراد الجنس البشري وجماعاته، لتعزيز الترابط وتوثيق التواصل بينهم، ومن أهم روافد تلك المشاعر الإنسانية، صلة القرابة التي جعلها الله تعالى عن طريقَي النسب والمصاهرة.

حيث يتحقق الارتباط الطبيعي للإنسان بمن حوله عن طريق النسب كالأبوة والبنوة والأخوة، وعن طريق المصاهرة بالتزاوج، فتنشأ علاقة بين الرجل وعائلة زوجه، وبين المرأة وعائلة زوجها.

وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة، يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا حيث يبدأ تكوُّن الإنسان من حويمن ضمن النطفة المنوية، يقول تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ‎*‏ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ [سورة الطارق، الآيتان: 5-6].

فيأتي الإنسان إلى هذه الدنيا كجزء مرتبط بوالديه وعائلتيهما، وحين يتزوج يدشّن ارتباطًا آخر مع عائلتي زوجِه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا.

فقد يتزوج رجل وامرأة من عائلتين أجنبيتين عن بعضهما ولا صلة بينهما، فتتأسس عبر الزواج قرابة وتداخل بين الأسرتين، وقد يكون التزاوج بين أقارب ينتمون لأسرة واحدة، فتحدث بذلك الزواج صلة إضافية تعزّز العلاقة داخل الأسرة.

نوعان من التزاوج

هناك نوعان من التزاوج: تزاوج بين الأقارب، وتزاوج بين الأباعد. وفي العصور الماضية كان الغالب هو الزواج بين الأقارب، لأنه أيسر وأسهل، ولأنه يمثل اعتزازًا بالانتماء العائلي والقبلي.

وفي بعض العشائر العربية قد يصبح عرفًا ونظامًا عشائريًا يصعب مخالفته، فابن الأخ أولى بابنة عمه مثلًا، ولا يمكن رفضه إن طلبها، وقد يستحل دم من يزاحمه على ابنة عمه.

ولا تزال بعض المجتمعات تفضل الزواج من الأقارب، فقد أوضحت دراسة ميدانية حديثة أنّ (حالات الزواج بين الأقارب تتعدّى نسبة 49% من الزيجات في المجتمعات العربية، واختلفت النسب بين الأقطار العربية، حيث ارتفعت النسبة في المملكة العربية السعودية إلى 57%)[1] .

ونلحظ في مجتمعاتنا تصاعدًا في نسبة الإقبال على الزواج من الأباعد، بسبب تطور الحياة الاجتماعية، وظهور أبحاث علمية تشير إلى وجود مخاطر صحية على النسل، بسبب زواج الأقارب.

وهناك كتابات وأبحاث تناقش هذا الموضوع على الصعيد الاجتماعي والصحي، لذلك نريد تسليط الضوء عليه، وعرض ما يطرح حوله من إيجابيات وسلبيات.

إيجابيات زواج الأقارب

على مستوى الإيجابيات في زواج الأقارب، يمكن الحديث عن النقاط التالية:

أولًا: وجود مستوى أفضل من المعرفة بين الطرفين والأسرتين، فكلاهما يعرف الآخر غالبًا في شكله ومسار نشأته، وتطورات حياته وسمات شخصيته، وهناك تقارب في العادات والتقاليد بين عائلتيهما، مما يجنّبهما مخاطر الاكتشاف المتأخر، لبعض الأبعاد والصفات. ويجعلهما أقرب للتوافق والتفاهم.

ثانيًا: تعزيز صلة الرحم، وتوثيق الارتباط داخل الأسرة، وحين تعطي كلّ أسرة الأولوية للزواج من داخلها، وتقلّ العنوسة والتأخير في الزواج، كما أنّ زواج الأقارب يوفر ضمان دعم عائلي أقوى لمواجهة أي طارئ في العلاقات الزوجية.

ثالثًا: تيسير الزواج، بتقليل جهود ومتاعب البحث عن شريك، وتسهيل إجراءات الزواج وخفض تكاليفه.

سلبيات محتملة في زواج الأقارب

أما على مستوى السلبيات في زواج الأقارب، فيمكن ذكر الأمور التالية:

أولًا: إنّ أهم سلبية تطرح لزواج الأقارب، هو تزايد احتمال ظهور بعض الأمراض الوراثية عند الأطفال، وذكروا أنّ من الأمراض الشائعة في زواج الأقارب، أمراض القلب الوراثية، والتليف الكيسي، وأنواع السرطانات الوراثية، وبعض أمراض الدم مثل فقر الدم المنجلي (السكلسل).

وهنا تتأكد أهمية الفحص الطبي قبل الزواج، سواء كان من الأقارب أو الأباعد، فإذا لم يكن الطرفان مصابين أو حاملين للمرض الوراثي، كان الزواج آمنًا من الناحية الصحية.

وفي هذا الصدد كشفت العديد من الأبحاث العلمية التي أجريت حول زواج الأقارب أنّ الإصابة بتلك الأمراض والإعاقات لدى الأطفال من أبوين من الأقارب مؤكدة حال عدم إجراء الفحص الطبي لدى الزوجين قبل الزواج، حيث تكون الفرصة أكبر لدى الزوجين من الأقارب في حمل صفات وراثية متنحية عندما يكون كلُّ واحدٍ من الأبوين حاملًا للصفة المسببة للمرض.

ويرى المختصون أنه إذا كانت هناك أمراض وراثية سائدة بدرجة ما في المجتمع، فإنّ درجة الاحتمال متساوية بين الأقارب والأباعد، ولا بُدّ من الاعتماد على الفحص الطبي والاستشارات الطبية قبل الزواج والحمل.

وهناك افتراض علمي يقول إنه (في حالة انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي في المجتمع أكثر من 12% وكانت أسرة في هذا المجتمع نقية وراثيًا، في هذه الحالة فإنّ الزواج بين الأقارب في هذه الأسرة أفضل كثيرًا، وأكثر ضمانًا من زواج الأباعد)[2] .

ويشجع المختصون على زواج الأقارب، حين تكون في الأسرة عواملُ وراثية مرغوبة، مثل الجمال والذكاء والقوة وطول العمر وأمثالها.

ثانيًا: الخوف من تأثير ما قد يحصل من مشاكل في الحياة الزوجية، على العلاقة الرحمية، في زواج الأقارب.

ثالثًا: هناك سلبية في انتشار زواج الأقارب، تتمثل في انغلاق الأسر وضعف انفتاح العلاقات الاجتماعية، بينما يحقق ذلك زواج الأباعد، ويوسّع دائرة العلاقات بين العوائل والأسر في المجتمع.

زواج الأقارب: رؤية موضوعية

ومن الناحية الشرعية لم ترد نصوص تنهى أو تشجع على زواج الأقارب، فالمعيار في الاختيار هو أهلية الشريك وصلاحه، «تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ» زوجًا أو زوجة من الأقارب أو الأباعد، وكلما كان أفضل أهلية وأكثر صلاحًا، فهو الخيار الأفضل.

وقد رويت أحاديث منسوبة إلى رسول الله ، تشجع على الزواج من الأباعد، مشيرة إلى العامل الصحي، كالنص المنسوب إلى النبي أنه قال: «اغتربوا لا تَضْوُو» أي تزوجوا من الغرباء، حتى لا يضعف نسلكم. لكنّ العلماء لم يجدوا سندًا لهذا الحديث، وقد يكون مقولة اجتماعية، وليس حديثًا نبويًا.

وهناك نصٌّ آخر منسوب للنبي أنه قال: «لا تنكحوا القرابة القريبة فإنّ الولد يخرج ضاويًا» لكن لم تصح نسبته عند العلماء.

ونجد في القرآن الكريم الحديث عن الزواج من القريبات اللاتي يصح الزواج منهن، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ [سورة الأحزاب، الآية: 50].

ونجد في السيرة النبوية وسيرة الأئمة عليهم السلام ظاهرة زواج الأقارب في أبنائهم واضحة.

يسود في بعض أوساط الشباب والفتيات اتجاه لرفض الزواج من الأقارب، حتى لو توفرت المواصفات المطلوبة، وهذا اتجاهٌ مزاجي لا يمتلك المبررات الموضوعية، فإنّ إيجابيات الزواج من الأقارب تبدو أرجح إذا تمت معالجة السلبيات المحتملة، فهو خيار يحتاج تقييمًا واعيًا ولا ينبغي أن يرفض بشكل عام.

إننا لا ندعو إلى أن تكون القرابة عامل ضغط على الإنسان لاختيار شريك الحياة، وإنما ندعو إلى عدم استثناء ساحة القرابة في البحث عن شريك الحياة، اعتمادًا على مقولات غير موضوعية، فإذا توفرت الصفات المطلوبة، ومنها الفحص الطبي، فلا مبرر للتوقف والتردد.

مصادر الخطبة:
  1. https://mawhopon.net/

 

خطبة الجمعة ٧ ذو القعدة 1447هـ الموافق ٢٤ أبريل 2026م.

[1]  https://mawhopon.net/: 49% من الزيجات العربية "زواج أقارب".
[2]  المصدر السابق.