في الاحتفاء بمولد الإمام الحسن (ع)
الشيخ الصفار: الكرم والعطاء يتجاوز المال إلى مصاديق متعددة
أكد سماحة الشيخ حسن الصفار أن الكرم والعطاء في الرؤية الإسلامية ليس مقصورًا على البذل المالي، بل يمتد ليشمل العطاء العاطفي، وتسخير المكانة الاجتماعية لخدمة الناس، وبذل العلم والخبرة لصالح المجتمع، مشيرًا إلى أن هذه المعاني تتجلى بوضوح في سيرة الإمام الحسن بن علي "عليه السلام".
جاء ذلك في كلمة ألقاها سماحته في مجلس رجل الأعمال سالم السالم بسيهات مساء الأربعاء 15 شهر رمضان 1447هـ الموافق 4 مارس 2026م، تناول فيها جانبًا من سيرة الإمام الحسن المجتبى
بمناسبة ذكرى ميلاده، مسلطًا الضوء على مفهوم الجود في حياته وتعاليمه.
واستهل الشيخ الصفار حديثه بالإشارة إلى ما روي عن رسول الله
في حق سبطه الإمام الحسن، حين قال: «اللهُمَّ إنِّي أُحِبُّه فأحِبَّه، وأحِبَّ مَن يُحِبُّه»، مؤكدًا أن محبة أهل البيت تمثل طريقًا إلى نيل محبة الله تعالى.
وأوضح أن الإمام الحسن
عُرف في التراث الإسلامي بلقب (كريم أهل البيت)، مبينًا أن الجود كما عرّفه الإمام الحسن
بقوله: هو «بَذْلُ المَجْهُودِ»، أي أن يبذل الإنسان ما يستطيع من إمكاناته لخدمة الآخرين.
وبيّن أن الله سبحانه وتعالى يمنح الإنسان النعم ليختبر كيفية تعامله معها، لافتًا إلى أن إمكانات الإنسان في الغالب تكون أوسع من حاجاته الفعلية، الأمر الذي يطرح تساؤلًا مهمًا حول كيفية توظيف فائض النعمة في خدمة الآخرين. وأشار في هذا السياق إلى أن الشح قد يدفع الإنسان إلى تكديس المال دون الاستفادة منه أو الإفادة به، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
ولفت إلى أن الجود الحقيقي يتمثل في إشراك الآخرين في الخير، مستشهدًا بقول الإمام الحسن
حين سُئل: من أحسن الناس؟ قال
: «مَنْ أَشْرَكَ النَّاسَ فِي عَيْشِهِ»، مبينًا أن الإنسان كلما وسّع دائرة عطائه للآخرين، كان أكثر قبولًا ومحبةً في المجتمع، فضلًا عن الأجر الذي يناله من الله تعالى.
وأشار الشيخ الصفار إلى أن المجتمع يشهد نماذج مشرقة من أهل الخير، الذين يسهمون في دعم الفقراء والمحتاجين والمشروعات الاجتماعية، موضحًا أن العمل الخيري المؤسسي يعد من أفضل صور العطاء، لما يتمتع به من استدامة وشمولية.
وبيّن أن الكرم لا يقتصر على الجانب المالي، بل يتجلى أيضًا في السخاء العاطفي، داعيًا إلى إظهار المودة والتقدير داخل الأسرة، خصوصًا تجاه الزوجة، التي تتحمل أعباء كبيرة في إدارة شؤون البيت، وتربية الأبناء.
وشدد على أهمية إغداق العاطفة على الأبناء، وخاصة البنات، لما لذلك من أثر بالغ في بناء شخصياتهم واستقرارهم النفسي.
وأضاف أن السخاء العاطفي ينبغي أن يمتد كذلك إلى المجتمع، عبر الكلمة الطيبة والتشجيع، وإظهار الاحترام للآخرين، مشيرًا إلى الحديث النبوي: «إنَّ أبخَلَ النَّاسِ مَنْ بخِل بالسَّلامِ»، لما في التحية والكلمة الحسنة من أثر إيجابي في نفوس الناس.
وتطرق سماحته إلى السخاء بالجاه والمكانة الاجتماعية، مبينًا أن من يمتلك موقعًا أو نفوذًا اجتماعيًا، يستطيع أن يسهم في حل مشكلات الناس، والتخفيف من معاناتهم.
واستشهد بما روي عن الإمام الحسن
أنه قطع طوافه حول الكعبة ليقضي حاجة لأحد الناس، تطبيقًا لقول رسول الله
: «مَنْ ذَهَبَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَقُضِيَتْ حَاجَتُهُ كُتِبَتْ لَهُ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، وَإِنْ لَمْ تُقْضَ لَهُ كُتِبَتْ لَهُ عُمْرَةٌ».
كما أشار إلى أهمية الإصلاح بين الناس، مؤكدًا أن إصلاح ذات البين من أفضل الأعمال، مستشهدًا بما ورد عن النبي محمد
«صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ».
وتطرق الشيخ الصفار إلى نوعٍ ثالث من الكرم يتمثل في بذل العلم والخبرة، مؤكدًا أن كل إنسان يمتلك تجربة أو معرفة في مجال معين، وأن من واجبه أن يشارك بها لخدمة مجتمعه، سواء كان عالم دين أو طبيبًا أو مهندسًا أو رجل أعمال.
وأوضح أن استلهام الدروس من سيرة الإمام الحسن
ينبغي أن ينعكس في السلوك اليومي للإنسان، عبر توسيع دائرة العطاء وخدمة الناس.
وفي ختام كلمته دعا الله تعالى أن يثبت المؤمنين على محبة رسول الله
وأهل بيته، وأن يحفظ الأوطان، ويدفع عن الأمة الأخطار والآلام، وأن يفرّج عن المتضررين في مختلف أنحاء العالم، سائلاً الله أن يعيد هذه المناسبة المباركة على الجميع بالخير والأمن والاستقرار. مقدمًا شكره لرجل الأعمال الحاج سالم السالم، لاستضافته هذا اللقاء السنوي، في ذكرى ميلاد الإمام الحسن
.
وقد حضر الحفل الذي اختتم بمأدبة سحور كريمة، جمع من العلماء ورجال الأعمال من الخبر والدمام ومحافظة القطيف، في أجواء إيمانية اجتماعية مباركة.















