الأنانية الضيقة والغيرية المُثرِية

 

يقول تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة الحشر، الآية: 9].

حين يُطلق الإنسان العنان لأنانيته، لا يجد متسعًا في نفسه للالتفات إلى غيره، وقد تقوده الأنانية المفرطة إلى الاعتداء على حقوق الآخرين.

فتصبح الأنانية سجنًا للذات، ومصادرةً لإنسانيتها.

إحياء روح الإنسانية

ورسالة الدين إحياء الروح الإنسانية في شخصية الإنسان، بترشيد ممارسته لحب الذات، ليكون اهتمامه بغيره جزءًا لا يتجزأ من اهتمامه بذاته.

فهو يعيش مع أبناء جنسه، يتأثر بهم كما يؤثر فيهم، ويحتاج إليهم كما يحتاجون إليه، ليس على مستوى المصالح المادية المتبادلة فقط، بل على صعيد المشاعر والعواطف الإنسانية أيضًا، فالإنسان السويّ يدرك قيمة الأحاسيس والمشاعر الإنسانية الإيجابية، فيما بينه وبين الآخرين.

التحرّر من سجن الأنانية

من هنا تؤكد المفاهيم والتعاليم الدينية على الإنسان أن يتحرّر من سجن أنانيته،

وأن ينطلق في فضاء إنسانيته الرحيب، ليهتم بأبناء نوعه، ويتبادل معهم الاحترام والمشاعر الإيجابية، وليقدم للآخرين عطاءه وإحسانه.

وحينئذٍ سيُسعِدُ ذاته، ويكسب الفلاح والنجاح.

يقول تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة الحشر، الآية: 9].

وتكرّرت هذه الجملة في الآية (16) من سورة التغابن، كما وردت الإشارة إلى مضمونها في الآية (128) من سورة النساء، في قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ.

والشّح هو: البخل والحرص الشديد، بأن يهتم الإنسان بنفسه فقط، ولا يعطي للآخرين. فإذا وقى الإنسان نفسه من الوقوع في هذه الشرنقة، واستطاع تحرير ذاته منها، فقد أفلح ونجح في الدنيا والآخرة.

العطاء للآخرين ارتقاء

وكلما أعطى الإنسان من نفسه للآخرين، ارتقى في درجات الفلاح والنجاح. وعلى النقيض من ذلك، يكون إذا تضخمت أنانيته وتجاهل غيره وبخل بما عنده.

يقول تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ *‏ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ‎* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ *‏ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ *‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ *‏ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ [سورة الليل، الآيات: 4-11].

إنّ حياة المعطاء تتجه إلى مسار اليسر، بينما تتجه حياة البخيل إلى مسار العسر، فعن المعطاء يقول تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ، وعن البخيل يقول تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ.

إنّ اليُسر والعسر في سيرتيهما يتمثلان في الحالة النفسية، وفي التفاعل الاجتماعي، وفي المستقبل الأخروي.

فالمعطاء يعيش راحة نفسية؛ لأنّ نفسه عامرة منتعشة بالمشاعر الإيجابية واللذة المعنوية، والرجاء لتوفيق الله ورضاه، في مقابل توتر نفس البخيل بسبب شدّة حرصه، وانعدام المشاعر الإيجابية في نفسه.

والمعطاء ينال محبّة الناس ويكسب ودّهم ويحظى باحترامهم، بينما يكره الناس البخيل ويمقتونه، حتى القريبين منه.

وفي الآخرة فإنّ المعطاء بعيد عن النار والعذاب، وهو محظوظ بالثواب والنعيم في الجنة. بينما تتوعد آيات القرآن الكريم البخيل بالنار والعذاب يوم القيامة.

ورد أنّ رجلًا قال للنبي محمد : أحبُّ أن أكونَ خيرَ الناسِ، فقال : «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ، فَكُنْ نَافِعًا لَهُمْ»[1] .

وورد عن أمير المؤمنين علي : «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ أَخْرَجَ الْحِرْصَ مِنْ قَلْبِهِ»[2] .

ورد في الحديث أنّ رجلًا سأل الإمام الحسن بن علي : من أحسن الناس عيشًا؟ قال : «مَنْ أَشْرَكَ النَّاسَ فِي عَيْشِهِ»، قيل: ومن شرّ الناس عيشًا؟ فقال : «مَنْ لَا يَعِيشُ فِي عَيْشِهِ أَحَدٌ»[3] .

إنّ الاهتمام بالغير يثري المشاعر الإيجابية في نفس الإنسان، ويكسبه المحبة والاحترام، وينال به رضا الله وثوابه في الآخرة.

رسالة العيد

ومناسبة العيد تتضمن تحفيزًا لهذا الخلق الإنساني الرفيع، حيث يبدأ الإنسان عيده قبل صلاة العيد بأداء واجب العطاء للآخرين، زكاة الفطرة.

ثم تكون صلاة العيد، والتلاقي بين الناس، من مظاهر هذه المناسبة الدينية المباركة.

ونريد التأكيد هنا في مجال التلاقي والتواصل الاجتماعي على أمرين:

صلة الأرحام واجب ديني

أولًا: الاهتمام بصلة الرحم، ففي زكاة الفطرة، أشار الفقهاء إلى استحباب تقديم الأرحام.

ورد في الحديث عن رسول الله : «لَا صَدَقَةَ وَذُو رَحِمٍ مُحْتَاجٌ»[4] .

إنّ صلة الرحم والتواصل مع الأقارب ليس أمرًا كماليًا ثانويًا، يرتبط بمزاج الإنسان ورغبته، بل هو أمر إلهي، لا بُدّ للمؤمن أن يلتزم به إذا كان حريصًا على طاعة ربه، فقطيعة الرحم من كبائر الذنوب. وهو من موجبات استحقاق اللعنة وسوء الدار، كما يشير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [سورة الرعد، الآية: 25].

وفي رواية عن الإمام علي بن موسى الرضا : «وَأَمَرَ بِاتِّقَاءِ اللهِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، فَمَنْ لَمْ يَصِلْ رَحِمَهُ لَمْ يَتَّقِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ»[5] .

إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [سورة النساء، الآية: 1].

ورد عن رسول الله : «لا تَقطَعْ رَحِمَكَ وَإنْ قَطَعَتكَ»[6] .

وعن أمير المؤمنين علي : «أَقْبَحُ الْمَعَاصِي قَطِيعَةُ الرَّحِمِ»[7] .

وجاء في كتاب الكافي عن رسول الله : «أُوصِي الشَّاهِدَ مِنْ أُمَّتِي وَالْغَائِبَ مِنْهُمْ، وَمَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، أَنْ يَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ عَلَىٰ مَسِيرَةِ سَنَةٍ، فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنَ الدِّينِ»[8] .

وعنه : «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَتَنْفِي الْفَقْرَ»[9] .

وعنه : «إِنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَوَابًا لَصِلَةُ الرَّحِمِ»[10] .

وعنه : «صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ»[11] .

وعنه : «صِلْ رَحِمَكَ وَلَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ»[12] .

وقد سهّلت وسائل الاتصال الحديثة عملية التواصل مع أرحامنا وسائر الناس، فمن لم يتمكّن من الخيار الأفضل وهو اللقاء المباشر، والزيارة لأرحامه وأقربائه، فلا يبخل بالتواصل عبر الهاتف الجوّال، مكالمةً أو مراسلةً.

ترميم العلاقات الاجتماعية

ثانيًا: إنّ مناسبة العيد فرصة لإصلاح الخلل في العلاقات بين الناس، وتجاوز الخلافات والنزاعات، والفضل لمن يبادر، كما ورد عن رسول الله : «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، ويُعْرِضُ هَذَا، وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»[13] .

وجاء في كتاب الكافي عنه : «فَأَيُّهُمَا سَبَقَ بِالْكَلَامِ لِأَخِيهِ كَانَ السَّابِقَ إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْحِسَابِ»[14] .

فليكن من آثار استفادتنا من صيام شهر رمضان المبارك، وتفاعلنا مع أجوائه الروحية العظيمة، اهتمامنا بالتواصل مع أرحامنا وجيراننا وأبناء مجتمعنا ومعارفنا، في مناسبة العيد السعيد، ولنطهر نفوسنا وقلوبنا من البغضاء والحساسية.

مصادر الخطبة:

1. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الجامع الصغير وزياداته، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3، 1408هـ.

2. الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الكلم ودرر الكلم، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1407ﻫ.

3. البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1999م.

4. الحر العاملي، الشيخ محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت، ط1، 1412هـ.

5. الحَرّاني، الشيخ الحسن بن عليّ بن شُعبة، تحف العقول، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط6، 1417هـ.

6. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت، ط1، 1404هـ.

7. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1413هـ.

8. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.

9. المتقي الهندي، علاء الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1399هـ.

10. المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث، بيروت، ط2، 1403هـ.

11. اليعقوبي، أحمد بن إسحاق، تاريخ اليعقوبي، منشورات المكتبة الحيدرية، النجف، ط1، 1964م.

 

خطبة الجمعة 30 رمضان 1447هـ الموافق 20 مارس 2026م.

[1]  كنز العمال، ح44154.
[2]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص241.
[3]  تاريخ اليعقوبي، ج2، ص215.
[4]  من لا يحضره الفقيه، ج4، ص369، ح5762.
[5]  عيون أخبار الرضا، ج٢، ص٢٣٤.
[6]  وسائل الشيعة، ج21، ص493.
[7]  غرر الحكم ودرر الكلم، ص122.
[8]  الكافي، ج2، ص151.
[9]  بحار الأنوار، ج71، ص103.
[10]  صحيح الجامع الصغير وزياداته، ح5705.
[11]  تحف العقول، ص57.
[12]  الكافي، ج2، ص151.
[13]  صحيح البخاري، ح6077.
[14]  الكافي، ج2، ص345، ح5.