الوعي الإسلامي يتطور
بسم الله، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين وصحبه الميامين، وبعد
لقد سنحت لي الفرصة أن أطالع هذا الحوار الشائق بين سماحة العلامة الشيخ الصفار والأخ الكريم الأستاذ عبد العزيز قاسم؛ فوجدته حوارًا نموذجيًا جميلًا، برع فيه الأخ السائل أيما براعة، فجسد أنموذج الصحفي النبيه، الفطن بمداخل الأمور ومخارجها، اللبق الكيس، الذي يتقيد بقواعد الحوار، ومن أهمها: الروح العلمية، والذهن الوقاد، والاحترام، والهدوء، والموضوعية.
كما برع فيه العلامة المجيب تمامًا، إذ اتصف حديثه بالصراحة التامة، والمعلومات الموثقة، والصدر الرحب، والتقيد الجميل أيضًا بقواعد الحوار القرآنية، وهي قواعد لو جرت في حياتنا لأكسبتنا الخبرة المطلوبة، والمنطقية في الحجاج، والوسطية في السلوك، ولأبعدتنا عن الحالات العصبية، والطائفية العمياء، وأبقتنا على سنن الحق، بعيدًا عن جواد المضلة، فهي الجادة المطلوبة، عليها معالم القرآن، وآثار النبوة.
وأود أن أقولها بصراحة: إنني مع غالب ما تفضل به الشيخ المجيب لا أجدني أختلف معه إلا في بعض الجزئيات.
وليتنا نشهد أمثال هذا الحوار الموضوعي في مختلف أرجاء عالمنا الإسلامي، مما يغنينا عن كثير من التحمل والتنطّع وإضاعة الأوقات والجهود وإثارة الإحن والأحقاد، وينقلنا من حدية (الإيمان والكفر) إلى موضوعية (الحقيقة والخطأ)، ويخلصنا من ادعاء امتلاك الحقيقة، وأن ما سواها الباطل الصراح.
إنني أشعر بالارتياح حينما أجد فكرة التقريب بين المذاهب تسري كالعافية في عروق هذه الأمة، وخصوصًا بين علمائها وباحثيها، لترجع العلاقة بين المذاهب إلى حالتها الطبيعية، فتعود اختلافاتنا المذهبية رحمة وثراء، ومجالًا رحبًا يستقي منه ولاة الأمور الرأي الأكثر مناسبة لتحقيق مصالح المجتمع والأمة، فيطبقونه باعتباره ناتجًا عن اجتهاد إسلامي سليم.
وبهذه العودة إلى المذهبية الإيجابية، ننبذ عهود الطائفية المقيتة التي أجرت أنهار الدم والدموع، إرضاءً للشيطان وإغضابًا للرحمن.
إنني أستحضر تاريخًا طويلًا مترعًا بالآلام يوم كان أتباع المذاهب (وحتى مذاهب السنة) يكفّر بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض، وأنظر إلى الواقع القائم، والتآلف الموجود، فأشكر الله - تعالى - كل الشكر على هذه النعمة.
وهنا أذكر بأن البعض اليوم يحاول إثارة الفتنة القديمة بين الأشاعرة والمعتزلة، والشيعة والسنة، بل يحاول أن يُخرج الأشاعرة من الدائرة الإسلامية، وهذا من أغرب الأمور خصوصًا إذا كان يصدر من علماء يدعون أنهم يحملون هم الأمة، ويعملون على تعبئة كل الطاقات لمواجهات التحديات الضخمة التي تحيط بهذه الأمة من قبل: العولمة والعلمانية والتخلف بأنواعه، والهجوم على ثقافة الأمة، بل والعمل على محو وجودها.
ولكن ليعلم هؤلاء أن مسيرة الصحوة الإسلامية تتقدم، وأن الوعي الإسلامي يتطور، وأنهم إنما يشكلون حجر عثرة ستتخطاه هذه الأمة المرحومة، أسأل الله تعالى لسماحة الشيخ الصفار النجاح في مسعاه المقدس، وللأستاذ عبد العزيز التقدم في نشاطه الإعلامي الهادف، والله ولي التوفيق.
محمد علي التسخيري
طهران - إيران
12/ 6/ 2005م






